Custom Search

Sunday, August 31, 2008

التمييز بين مفاهيم الوساطة المالية والتمويل والمتاجرة

التمييز بين مفاهيم الوساطة المالية والتمويل والمتاجرة

محمد أنس الزرقا

أستاذ - مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي

جامعة الملك عبدالعزيز - جدة

المستخلص : إن السمسار والتاجر - على اختلافهما - يؤديان من حيث النتيجة وظيفة اقتصادية واحدة هي الوساطة لتخفيض تكاليف انتقال السلع من منتجيها أو حائزيها إلى طالبيها ، فالسمسرة تنشئ علاقة ثنائية مباشرة بين طرفي التبادل بمساعدة السمسار ، بخلاف التجارة التي تنشئ علاقة ثلاثية غير مباشرة التاجر أحد أطرافها .

وهذا يصدق على المصارف التي تقوم بالوساطة بين الوحدات الاقتصادية ذات الفائض المالي والأخرى ذات العجز بأسلوب "المتاجرة" بالموارد المالية .

إن الوساطة المصرفية غير المباشرة (الثلاثية) تلبي اليوم بلغة الفقهاء "حاجة عامة" معاشية، هي أشد أهمية اقتصادية من الحاجة إلى الوساطة التجارية في أي نوع من السلع . والتحديات التي يواجهها تنظيم الوساطة المصرفية على أسس لاربوية لا تبرر العودة إلى السمسرة المالية (بين مدخر معين ومستثمر معين) التي لا يمكن بحال أن تغني عن الوساطة المذكورة .

أولاً : الوساطة والسمسرة بين الفقه والاقتصاد

الوسيط في المعاملات بين الناس هو الذي يسهل التعاقد بين الطرفين وإن لم يكن طرفًا في العقد . وأجلى صوره : السمسار .

وفي السنة النبوية ورد السمسار غير مرة ، وفسروه بأنه (القائم على بيع سلعة الغير بمقابل). وهذا أيضًا تعريف السمسار في القواميس (مثلاً : وبستر راندم هاوس : السمسار BROKER هو وكيل يبيع ويشتري للأصيل لقاء عمولة . وفي المعجم الوسيط : سَمْسرَ : توسط بين البائع والمشتري بجُعْل ) . وفسر سيدنا ابن عباس النهي النبوي عن أن يبيع حاضرٌ لبادٍ بقوله : لا يكون له سمسارًا (أخرجه البخاري في البيوع ، وأبو داود وأصحاب السنن) .

فالمعنى الفقهي والقانوني للسمسرة يشمل من يبيع سلعة الغير بعمولة ، ومن يسهل عقد الصفقة بين طرفيها كسماسرة العقارات اليوم . والسمسار هو فقهًا "أجير عام" غالبًا ، و" أجير خاص" أحيانًا .

والتاجر على هذا المعنى الفقهي والقانوني ليس سمسارًا وسيطًا بين المنتج والمستهلك ، لأن التاجر - بخلاف السمسار - يشتري لحساب نفسه ليبيع كذلك . كما أنه ليس أجيرًا عامًا ، ولا أجيرًا خاصا .

وما سبق من معان للوساطة هي كلها متعارفة في الفقه والقانون ، وهدفها تسليط الضوء على العلاقة التعاقدية والحقوق والواجبات بين الأطراف المتعاقدة . فالسمسار وكيل لرب السلعة وأمين عليها (أحيانًا) ، ولا يستحق أجرته/ جُعْله إلا إذا تمت الصفقة . أما التاجر فيشتري السلعة من ربها وتدخل في ضمانه ، فيده عليها لا تكون يد أمانة بل يد ضمان ، فيتحمل هلاك السلعة وتعيبها وتقلب سعرها . ويعقد التاجر مع المشتري النهائي صفقة مستقلة لا شأن فيها لرب السلعة الأصلي.

هنا يدخل الاقتصاديون الموضوع بهدف آخر هو تسليط الضوء على الوظيفة الاقتصادية للوساطة في المجتمع ، وهي عمومًا تسهيل ( أي تخفيض تكاليف )عقد الصفقات بين الطالبين لسلعة أو منفعة ، وبين الراغبين في تقديمها (لأنهم منتجون لها أو مجرد حائزين لم ينتجوها) .

في منظور الاقتصاديين وعرفهم : السمسار وسيط كما التاجر وكما المصرف ، لأن مآل نشاطهم في المجتمع واحد وهو تسهيل (تخفيض تكاليف) انتقال السلع والمنافع من منتجيها الأصليين إلى مستخدميها النهائيين ، تسهيلاً مباشرًا ثنائيًّا في حالة السمسرة حيث يتم عقد الصفقة بين البائع والمشتري مباشرة بمساعدة السمسار ، أو تسهيلاً غير مباشر ثلاثي الأطراف في حالة التجارة ، حيث يعقد التاجر صفقة مع البائع الأصلي تنتقل بها السلعة إلى ملك التاجر ، ثم صفقة أخرى مستقلة مع المشتري النهائي .

إن هذا القاسم المشترك بين السمسرة والتجارة أمر ظاهر عقليًّا ، ومع ذلك فإن له شاهدًا شرعيًّا هو ما رواه أصحاب السنن عن أبي غَرَزَة t حيث قال : كنا نسمى السماسرة فسمانا رسول الله r باسم هو خير من اسمنا فقال : "يا معشر التجار..." ( رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة) .

وهذا القاسم المشترك يقودنا إلى تسليط الضوء على وجوه التشابه بين السمسرة والتجارة والوساطة المصرفية في الفقرة (ثانيًا) التالية .

نتيجة : يختلف التعريف الفقهي والقانوني للوساطة عن تعريفها الاقتصادي لاختلاف الهدف من دراستها . لكن وجهتي النظر متكاملتان لا متناقضتان . وإذا أردنا تحديد حاجة المجتمع لوساطة معينة فلا مفر من الانتباه لوظيفتها الاقتصادية .

ثانيًا : بين الوساطة المالية والتجارة

ما الوفق والفرق بين وساطة سمسار تأجير العقارات ووساطة مصرف تقليدي يعمل بالفائدة؟ السمسار يتاجر بالمعلومات لا بمنافع العقارات نفسها . فهو يجمع المعلومات عن عقارات معدة للتأجير وعن راغبين في الاستئجار ،لا ليستعمل هذه المعلومات لنفسه بل ليبيعها لطرفي العقد فيدل هذا على هذا لقاء عمولة . وبعد عقد الصفقة يرتبط مالك عقار معين بمستأجر معين ويواجه كل منهما مزايا ومخاطر التعامل مع شخص الآخر .

ولو أن السمسار قام باستئجار عقارات عديدة من مالكيها لحساب نفسه ، مع التمسك بحقه في أن يؤجرها من الباطن لمن يشاء بما يشاء، لصار "تاجرا" في منافع العقارات أي "تاجر إيجارات". وهذه صورة ممكنة وإن لم تكن شائعة للوساطة العقارية. لكنها هي عين الصورة الشائعة للوساطة المالية المصرفية . فالمصرف "يستأجر" لحسابه نقود المودعين بأجرة زمنية هي الربا على الودائع ، ويؤجرها "من الباطن" إن صح التعبير للمتمولين (طالبي التمويل) بعقد مستقل وبأجرة أعلى هي الربا على القروض المصرفية .

ولو أن المصرف قدم خدمة وساطة شخصية (سمسرة) لمودع معين فبحث له عن متمول مناسب ، وسهل عقد القرض بينهما ، لكان "سمسار نقود" حقًا . وهذه صورة للوساطة المالية ممكنة من الوجهة الجزئية الحقوقية ، وإن لم تكن شائعة، إذ تؤدي إلى تمويل مباشر ، أي إلى قرض بين مدخر معين ومتمول معين . وقد فصل د. صديقي في ورقته لماذا لا يمكن للتمويل المباشر (ولو مع خدمات "سمسار نقود" ) أن يحقق بكفاءة بعض الوظائف الجوهرية التي توفرها الوساطة المصرفية بصورتها المعاصرة . كما ألمح د. القري في ورقته: (بند "مبررات التفريق بين الوسيط المالي والتاجر ، ص71) إلى شيء من ذلك .

المصرف التقليدي هو حقًا تاجر نقود وديون كما أكد د. المصري في ورقته ، أو بعبارة أدق تاجر في منافع النقود والديون .

ولما كان تداول النقود والديون شرعًا يخضع لأحكام تختلف عن أحكام تداول السلع والخدمات ، وتستهدف تحريم ربا الدين ، فإن أداء وظيفة الوساطة المصرفية على نحو شرعي يتطلب بدائل شرعية لبعض الأعمال المصرفية التقليدية ، وعلى الأخص للقرض الذي هو وسيلتها التقليدية الأساسية في أداء وظيفة الوساطة .

والبديلان الأساسيان للتمويل بالقرض المشروعان في الإسلام كما هو معلوم هما : المشاركات بأنواعها ( ومنها المضاربة) ، والمبايعات التي ينفصل فيها أحد العوضين زمنيا عن الآخر ( كما في البيع بثمن مؤجل وفي بيع السَلَم ) .

ثالثًا : هل نحتاج لوساطة مصرفية

إن علاقة الوسيط الإسلامي المصرفي بالمودعين على أساس المضاربة لم تواجه ، كما نعرف جميعًا ، مشكلات جوهرية من الجانب الفقهي أو الاقتصادي أو القانوني ، وإن كانت فيها شوائب تطبيقية سهلة التذليل .

أما علاقة المصرف الإسلامي بالمتمولين من رجال الأعمال على أساس المشاركات عمومًا والمبايعات خصوصًا فهي التي تواجه عقبات و مخالفات وتحديات . وقد تدفعنا هذه العقبات والمخالفات بل دفعت بعضنا فعلاً إلى السؤال عن مدى الحاجة الاجتماعية والمعاشية إلى الوساطة المصرفية أصلاً بين الوحدات الاقتصادية ذات الفائض والأخرى ذات العجز (انظر بحث د.المصري)، وما إذا كان يمكن العودة إلى مرحلة السمسرة النقدية (أو التمويل المباشر) التي لا تواجه نفس الإشكالات والمخالفات الفقهية التي تواجه الوساطة المصرفية .

جوابي باختصار : إن حاجة المجتمع المسلم المعاصر إلى " المتاجرة بالنقود" على أسس شرعية هي أشد من حاجته إلى الوساطة التجارية في أية سلعة أو زمرة من السلع ، إذ النقود تمثل سائر السلع والمنافع وتوصل إليها . والحاجة إلى الوساطة في النقود والمدخرات بصيغ مشروعة هي حاجة عامة وملحّة تنطبق عليها تمامًا القاعدة الفقهية (الحاجة العامة بمنزلة الضرورة الخاصة) .

فلا محيص عن الوساطة المصرفية اليوم ، وليس أمامنا إلا استمرار البحث عن صيغ شرعية تحققها على نحو ناجع و قليل التكلفة .

فوائد البنوك


فوائد البنوك

د.يوسف القرضاوي

س: كنت موظفًا أتقاضي راتبًا متوسطًا، وكنت أوفر منه مبلغًا أودعه البنك وأتقاضى عليه فائدة، فهل يصح لي ذلك أم لا، علمًا بأن المرحوم الشيخ شلتوت أفتى بجواز هذه الفوائد وسألت بعض العلماء، فمنهم من أجازها ومنهم من منعها . ومما أذكره أني كنت أدفع زكاة مالي، ولكن فائدة البنك كانت تزيد عن المبلغ الذي أخرجه.

وإن كانت الفائدة غير جائزة فماذا أفعل بها ؟

ج: إن الفوائد التي يأخذها المودع في البنك، هي ربًامحرم، فالربا: هي كل زيادة مشروطة على رأس المال . أي ما أخذ بغير تجارة ولا تعب، زيادة على رأس المال فهو ربًا. ولهذا يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون). (البقرة: 279).

فالتوبة معناها هنا أن يبقى للإنسان رأس ماله، وما زاد على ذلك فهو ربًا. والفوائد الزائدة على رأس المال، جاءت بغير مشاركة ولا مخاطرة ولا مضاربة ولا شيء من المتاجرة ..فهذا هو الربا المحرم . وشيخنا الشيخ شلتوت لم يبح الفوائد الربوية فيما أعلم، وإنما قال: إذا وجدت ضرورة - سواء كانت ضرورة فردية أم ضرورة اجتماعية - يمكن عندها أن تباح الفوائد، وتوسع في معنى الضرورة أكثر مما ينبغي.

وهذا التوسع لا نوافقه عليه رحمه الله.

وإنما الذي أفتى به الشيخ شلتوت هو صندوق التوفير، وهو شيء آخر غير فوائد البنوك . وهذا أيضًا لم نوافقه عليه.

فالإسلام، لا يبيح للإنسان أن يضع رأس ماله ويأخذ ربحًا محددًا عليه، فإنه إن كان شريكًا حقًا، فيجب أن ينال نصيبه في الربح وفي الخسارة معًا، أيًا كان الربح، وأيًا كانت الخسارة.

فإذا كان الربح قليلاً شارك في القليل، وإذا كان كثيرًا شارك في الكثير، وإذا لم يكن ربح حرم منه، وإذا كانت خسارة تحمل نصيبه منها، وهذا معنى المشاركة في تحمل المسئولية.

أما ضمان الربح المحدد، سواء كان هناك ربح أو لم يكن، بل قد يكون الربح أحيانًا مبالغ طائلة تصل إلى 80% أو 90% وهو لا ينال إلا نسبة مئوية بسيطة لا تجاوز 5% أو 6%، أو قد تكون هناك خسارة فادحة، وهو لا يشارك في تلك الخسارة . . . وهذا غير طريق الإسلام . . وإن أفتى بذلك الشيخ شلتوت رحمه الله وغفر له.

فالأخ الذي يسأل عن فوائد البنوك: هل يأخذها أم لا ؟ أجيبه: بأن فوائد البنوك لا تحل له، ولا يجوز له أخذها . ولا يجزيه أن يزكي عن ماله الذي وضعه في البنك، فإن هذه الفائدة حرام، وليست ملكًا له، ولا للبنك نفسه، في هذه الحالة . . ماذا يصنع بها ؟ ..

أقول: إن الحرام لا يملك، ولهذا يجب التصدق به، كما قال المحققون من العلماء، بعض الورعين قالوا بعدم جواز أخذه ولو للتصدق . . عليه أن يتركه أو يرميه في البحر، ولا يجوز أن يتصدق بخبيث.

ولكن هذا يخالف القواعد الشرعية في النهي عن إضاعة المال وعدم انتفاع أحد به . لابد أن ينتفع به أحد . . إذن ما دام هو ليس مالكًا له، جاز له أخذه والتصدق به على الفقراء والمساكين، أو يتبرع به لمشروع خيري، أو غير ذلك مما يرى المودع أنه في صالح الإسلام والمسلمين ؛ ذلك أن المال الحرام كما قدمت ليس ملكًا لأحد . فالفائدة ليست ملكًا للبنك ولا للمودع، وإنما تكون ملكًا للمصلحة العامة، وهذا هو الشأن في كل مال حرام، لا ينفعه أن تزكي عنه، فإن الزكاة لا تطهر المال الحرام، وإنما الذي يطهره هو الخروج منه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله لا يقبل صدقة من غلول " (رواه مسلم) .والغلول هو المال الذي يغله الإنسان ويخونه من المال العام . لا يقبل الله الصدقة من هذا المال لأنه ليس ملكًا لمن هو في يده.

وهل يترك تلك الفوائد للبنك، لأنها محرمة عليه ؟

لا يتركها، لأن هذا يقوي البنك الذي يتعامل بالربا، ولا يأخذها لنفسه، وإنما يأخذها ويتصدق بها في أي سبيل من سبل الخير.

قد يقول البعض: إن المودع معرض للخسارة إذا خسر البنك وأعلن إفلاسه مثلاً، لظرف من الظروف، أو لسبب من الأسباب.

وأقول لمثل هذا بأن تلك الخسارة أو ذلك الإفلاس لا يبطل القاعدة ولو خسر المودع نتيجة ذلك الإفلاس، لأن هذا بمثابة الشذوذ الذي يثبت القاعدة، لأن لكل قاعدة شواذ، والحكم في الشرائع الإلهية - والقوانين الوضعية أيضًا - لا يعتمد على الأمور الشاذة والنادرة . . فإن الجميع متفق على أن النادر لا حكم له، وللأكثر حكم الكل . فواقعة معينة لا ينبغي أن تبطل القواعد الكلية.

القاعدة الكلية هي أن الذي يدفع ماله بالربا يستفيد ولا يخسر، فإذا خسر مرة من المرات فهذا شذوذ، والشذوذ لا يقام على أساسه حكم.

وقد يعترض سائل فيقول: ولكن البنك يتاجر بتلك الأموال المودعة فيه، فلماذا لا آخذ من أرباحه ؟

وأقول: نعم إن البنك يتاجر بتلك الأموال المودعة فيه.

ولكن هل دخل المودع معه في عملية تجارية ؟ طبعًا لا.

لو دخل معه شريكًا من أول الأمر، وكان العقد بينهما على هذا الأساس وخسر البنك فتحمل المودع معه الخسارة، عندئذ يكون الاعتراض في محله، ولكن الواقع أنه حينما أفلس البنك وخسر، أصبح المودعون يطالبون بأموالهم، والبنك لا ينكر عليهم ذلك، بل قد يدفع لهم أموالهم على أقساط إن كانت كثيرة، أو دفعه واحدة إن كانت قليلة . . على أي حال، فإن المودعين لا يعتبرون أنفسهم مسئولين ولا مشاركين في خسارة البنك، بل يطالبون بأموالهم كاملة غير منقوصة.

العمل في البنوك

س 1: تخرجت في كلية التجارة وسعيت في طلب الرزق فلم أجد إلا عملاً بأحد البنوك، ولكني أعلم أن من أعمال البنوك ما يقوم على الربا كما أعلم أن الدين لعن كاتب الربا . فهل أقبل هذا العمل أم أرفضه علمًا بأنه مصدر رزقي ؟

ج: النظام الاقتصادي في الإسلام يقوم على أساس محاربة الربا، واعتباره من كبائر الذنوب التي تمحق البركة من الفرد والمجتمع، وتوجب البلاء في الدنيا والآخرة نص على ذلك الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة، وحسبك أن تقرأ في ذلك قول الله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات، والله لا يحب كل كفار أثيم). (البقرة: 276). (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله). (البقرة: 287 - 289).

وقول رسوله: " إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ..

وسنة الإسلام في تشريعاته وتوجيهاته أن يأمر المسلم بمقاومة المعصية، فإن لم يستطع كف يده - على الأقل - عن المشاركة فيها بقول أو فعل، ومن ثم حرم كل مظهر من مظاهر التعاون على الإثم والعدوان، وجعل كل معين على معصية شريكًا في الإثم لفاعلها، سواء أكانت إعانة بجهد مادي أم أدبي، عملي أم قولي.

ففي جريمة القتل يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار " رواه الترمذي وحسنه.

وفي الخمر يقول: " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه " رواه أبو داود وابن ماجه.

وفي جريمة الرشوة يلعن الرسول: " الراشي والمرتشي والرائش - وهو الساعي بينهما " كما روى ابن حبان والحاكم.

وفي الربا يروي جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه - وقال: " هم سواء " رواه مسلم، ويروي ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي . وصححه وأخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه، ورواه النسائي بلفظ: " آكل الربا ومؤكله وشاهداه - إذا علموا ذلك - ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم القيامة ".

وهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة هي التي تعذب ضمائر المتدينين الذين يعملون في مصارف أو شركات لا يخلو عملهم فيها من المشاركة في كتابة الربا وفوائد الربا.

غير أن وضع الربا لم يعد يتعلق بموظف في بنك أو كاتب في شركة، إنه يدخل في تركيب نظامنا الاقتصادي وجهازنا المالي كله، وأصبح البلاء به عامًا كما تنبأ رسول الله: " ليأتين على الناس زمان لا يبقي منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره " رواه أبو داود وابن ماجة.

ومثل هذا الوضع لا يغير فيه ولا ينقص منه امتناع موظف عن تسلم عمله في بنك أو شركة، وإنما يغيره اقتناع الشعب - الذي أصبح أمره بيده وحكمه لنفسه - بفساد هذا النظام المنقول عن الرأسمالية المستغلة، ومحاولة تغييره بالتدرج والأناة، حتى لا تحدث هذه المشكلة الخطيرة، فقد سار على هذه السنة في تحريم الربا ابتداء كما سار عليها في تحريم الخمر وغيرها.

والمهم هو الاقتناع والإرادة، وإذا صدق العزم وضح السبيل.

وعلى كل مسلم غيور أن يعمل بقلبه ولسانه وطاقته بالوسائل المشروعة لتطوير نظامنا الاقتصادي، حتى يتفق وتعاليم الإسلام، وليس هذا ببعيد، ففي العالم دول تعد بمئات الملايين لا تأخذ بنظام الربا، تلك هي الدول الشيوعية.

ولو أننا حظرنا على كل مسلم أن يشتغل في البنوك لكانت النتيجة أن يسيطر غير المسلمين من يهود وغيرهم على أعمال البنوك وما شاكلها، وفي هذا على الإسلام وأهله ما فيه.

على أن أعمال البنوك ليست كلها ربوية فأكثرها حلال طيب لا حرمة فيه، مثل السمسرة والإيداع وغيرها، وأقل أعمالها هو الحرام، فلا بأس أن يقبله المسلم - وإن لم يرض عنه - حتى يتغير هذا الوضع المالي إلى وضع يرضي دينه وضميره، على أن يكون في أثناء ذلك متقنًا عمله مؤديًا واجبًا نحو نفسه وربه، وأمته منتظرًا المثوبة على حسن نيته " وإنما لكل امرئ ما نوى ".

وقبل أن نختم فتوانا هذه لا ننسى ضرورة العيش، أو الحاجة التي تنزل - عند الفقهاء - منزلة الضرورة، تلك التي تفرض على صاحب السؤال قبول هذا العمل كوسيلة للتعيش والارتزاق والله تعالى يقول: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم).

هل يتحقق الربا في الأوراق النقدية ؟

س: كثرت المناقشات والمجادلات حول الفائدة التي يحصل عليها الدائن من المدين: يقرض الرجل ألفًا من الدراهم يستردها بعد مدة معلومة ألفًا ومائة أو ألفًا ومائتين وتكون المعاملة بأوراق (بنكنوت) . . البعض يراها أنها حلال وليس فيها ربا، إذا جرت بالأوراق لا بذهب أو فضة، اللذين يقال منهما كانت تصنع العملة في القديم وفيهما فقط يحرم أخذ الفائدة المحددة في الوقت المحدد، وحجة هؤلاء أن مثل هذه الأوراق لم تكن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك فلم تكن ضمن ما شمله التحريم.

أما الفريق الآخر فيرى أن لا فرق في التعامل بين ذهب أو فضة أو ورق، فالورق يقوم مقام الذهب أو الفضة في المعاملات، فهو بذلك مثله تمامًا في التحريم.

والآن وقد بسطنا أما فضيلتكم هذين الرأيين نرجو أن تتكرموا بموافاتنا برأي الشريعة في هذا الأمر.

جـ: أقول للأخ السائل عن هذا الحكم، إنني أرجح وأصحح رأي الفريق الثاني ولا أرى صوابًا غيره، وهو أن الأوراق " البنكنوت " تقوم مقام الذهب من حيث النقدية، ومن حيث المعاملة، فلا فرق بين ذهب وفضة، وبين ورق، أصبح الآن هو الذي يرى، الناس لم يعودوا يرون الذهب قط في المعاملات، ولا يرون الفضة إلا في الأمور التافهة، وأصبح هذا الورق هو العملة السائدة المنتشرة في العالم كله، فكيف نعطل حكم الربا من أجل أن الناس يتعاملون بورق ولا يتعاملون بذهب وفضة ؟ ؟

إن هذه الأوراق، من يملكها يعد في نظر الناس غنيًا، يجب عليه ما يجب على الأغنياء من الزكاة، ولا يجوز في نظر أحد أن يدفع له من مال الزكاة لاعتباره فقيرًا لا يملك ذهبًا ولا فضة، ولو قال أحد الناس ذلك لعدوه مهووسًا أو مجنونًا، هذه الأوراق يدفعها الرجل مهرًا، فإذا هو يستحل بها الفرج، لأنها مال، ويدفعها الرجل ثمنًا للسلعة، فإذا هو يستحل بها المبيع، ويدفعها الرجل أجرة للشيء المستأجر، فيستحل الانتفاع بالعين المستأجرة ويدفعها الرجل دية، إذا قتل خطأ، فيعوض عن دم القتيل وهكذا . . . كل المعاملات تجرى بهذه الأوراق، فهي تقوم تمامًا مقام الذهب والفضة، ولا يمكن أن يشك أحد في ذلك . . . وإلا ما رضي الإنسان بأن يأخذ هذه الأوراق دية عن مقتول ولا أن يأخذها مهرًا عن ابنته، ولا أن يأخذها ثمنًا لسلعة، أو أجرة لدار أو نحو ذلك، وإنما يراها الناس نقودًا، فإنها أصبحت نقودًا بالتعامل، وباعتماد السلطات الشرعية إياها، فأصبح لها قوة الذهب وقوة الفضة، فإني لا أرى أي مبرر أو مسوغ للتشكك في ذلك، أو التشكيك فيه، فمن أخذ فائدة على هذه الأوراق، أو أعطى فائدة فقد دخل في حكم الربا الحرام قطعًا، وأذن بحرب من الله ورسوله، وكل من اشترك في هذا العقد الربوي، فهو ملعون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه.

محنة الفرد المسلم في مجتمع لا يحكمه الإسلام

يا صاحب الفضيلة . هذه هي المرة الثالثة الني أوجه فيها رسالتي إليكم . وأكتفي هنا بأن أسجل صورة ملخصة للرسالتين السابقتين.

إني أكتب هذه الرسالة إلى فضيلتكم مبتدئًا إياها بتهنئتكم على ما وهبكم الله من سعة الاطلاع وغزارة العلم، ونظرتكم الثاقبة إلى المسائل الدينية والدنيوية، ثم توجيهاتكم القيمة . ولا أخال فضيلتكم إلا أن تعتبروني صادقًا فيما أقول، لأنه ليس ثمة ما يدعوني إلى سوى الصدق . هذه الرسالة - سيدي - لا أريد الجواب عليها بالراديو أو التلفاز، فهي شخصية بحتة، ولهذا تجد فضيلتكم مع هذا ظرفًا معنونًا باسمي.

يا صاحب الفضيلة، قد ظهر في هذا العصر أمور ومعاملات لم تكن موجودة أيام الصحابة والتابعين والأئمة، وأنا أعلم أن الإسلام غير عاجز عن حلها . ولكن أين المجتهدون ؟ ولو وجدوا، فمن يجمعهم لحل كل غامض ؟ ثم أيضًا أين هم العلماء الذين صارعوا الحياة المادية (التجارة ومشاكلها، وتغير النظم ومتاعبها، وتجدد المعاملات بأنواعها) فعلاً، فعرفوا قسوتها وذاقوا أتعابها ؟ إن أغلب علماء الدين يعرفون فقط ما دونته كتب الفقه القديمة عن المعاملات والجنايات وغيرها، لمجرد وظيفة قضاء وما أشبهها . ولذلك فهم لا يعرفون مدى الصعوبات التي تدونها الكتب، مع أن الحل موجود في الكتاب والسنة، إما بالنصوص الخاصة أو بالنصوص العامة، لو وجد التعمق والاجتهاد . مثلهم بذلك مثل الطبيب الذي يصف الدواء من الكتاب مع صرف النظر عن ظروف المرض والمريض، فأين أمثال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي منع قطع يد السارق، ومنع الزكاة عن المؤلفة قلوبهم، ومنع حد شارب الخمر . . . إلخ . لظروف خاصة، ورغم وجود آيات ناصة، فذلك هو العلم الصحيح والاجتهاد الحي، الذي حق للإسلام أن يسمى به " الملة السمحة ".

ومن المتأخرين، زار البلاد الأجنبية التي أنا صاحب تجارة فيها، شيخان عربيان من الراسخين في العلم (لم أسترخصهما بأن أذكر اسمهما، إنما يعرفهما فضيلتكم حق المعرفة) فعرضت عليهما مسائل كان في خاطري منها شيء، منها التأمين على البضائع المشحونة وغيرها لأن أهلها يصرون على ذلك، أو نعوضهم نحن عما يتلف.

ومنها: الاقتراض من البنوك لتوسعة العمل ومنه الكسب، وكل هذه تشتمل على مبالغ ضخمة لا يمكن تطبيق ما جاء في الكتب عليها، ولا العملاء ولا البنوك يوافقون على غير أنظمتهم بها.

فأجاب أحدهما حفظه الله أنه لا يقدر أن يفتي بمثل هذه المسائل لأنها تحتاج إلى اجتهاد إجماع . فقلت له: إني لا أطلب فتوى ولكن أريد رأيه الخاص بهذه المسائل المستجدة . فأجابني أنه إذا كانت المسألة مسألة إبداء رأي فهو حسب الظروف الراهنة لا يرى بأسًا بهذين الأمرين.

أما الثاني فهو مبدئيًا لم يتردد بأن يقول لي " لا بأس " إنما اشترط أن يكون المؤمن عنده شركة غير مسلمة، وأضاف أن المرحوم الشيخ بخيت أفتى بذلك.

والآن قد استجد عندي مسألة ثالثة، لا أطلب من فضيلتكم الفتوى من جهتها، وإنما ألتمس أن تتكرموا بإبداء رأيكم فيها، لأنها في الواقع مسألة عويصة وفي الصميم.

والمسألة هي: أنا صاحب تجارة في بلاد أجنبية ليس لها دين رسمي في دستورها، إنما حكومتها خليط من المسلمين وغيرهم، وكل منهم يتبع القوانين الغربية، وسكانها فيهم المسلمون وغير المسلمين وحكومتها تقول: إن كل ما تجبيه من مكوس وضرائب وجمارك . . إلخ هو لفائدة الشعب - مسلميهم وغير مسلميهم - ولكن المصيبة أن ضرائب تلك البلاد تصاعدية وباهظة فوق ما يتصوره العقل أو ترضى به النفس والذوق السليم . فلو كانت تلك الضرائب معقولة لهان الأمر ولم يظهر لدي أي مشكلة . ولنأخذ أمثلة من ضرائبهم التصاعدية لدخل السنوي، (تاركين العشرات من أنواع الضرائب الأخرى) ليتخيلها فضيلتكم:

(1) إذا كان دخلك السنوي 40000 فالضريبة عليه 12000.

(2) إذا كان دخلك السنوي 000 ,100 فالضريبة عليه 75000.

(3) إذا زاد دخلك السنوي عن 000 ,100 تصل الضريبة إلى 89%.

(4) إذا جمعنا كل أنواع الضرائب التي يدفعها الإنسان سنويًا فقد تصل إلى 108% من دخله . أي أنه يصرف على بيته وأيضًا يدفع 8% من رأس المال (لأن المصرف البيتي والشخصي لا يخصم من الدخل قبل تقدير الضريبة) فأنا شخصيًا دفعت في العام الماضي: 000 ,70 كضريبة دخل فقط.

فالسؤال الآن هو: هل يمكنني أن أنوي ما أدفعه أنه للقسم المسلم من السكان . وبذلك تسقط الزكاة لأني لو أخرجتها فوق ما أدفع للحكومة من تلك لثقل الحمل على كاهلي ؟

وقبل أن تبدوا رأيكم بهذا السؤال، أعرف أن لدى حضرتكم بعض الملاحظات عليه فها أنا أوضحها :

ملاحظة فضيلتكم الأولى: " أنت لم تدفع المبلغ اختيارًا، بل جبرًا ".

جوابي: نعم، ولو دفعته اختيارًا لما عرضت لي هذه المشكلة، ولم يكن لزوم بحثها . أيضًا بإمكاني أن أنويها للمسلمين طوعًا لا كرهًا، أو أنوي ما يجب إخراجه لهم.

وفيما يلي أختصر بعض الملاحظات والجواب عليها . إذ كانت مطولة في أصل الرسالة.

ملاحظة فضيلتكم الثانية: لم لا تترك هذه البلاد ؟

الجواب: حكومة تلك البلاد اشتراكية فلا تسمح لي بإخراج نقودي من بلادهم.

ملاحظة ثالثة: اخرج بنفسك ودع نقودك وابدأ العمل من جديد في بلاد عربية غير اشتراكية :

الجواب أنا الآن في الـ 65 من العمر، ومع أني ولله الحمد محتفظ بحيويتي، فالذي بعمري لا أقول لا يمكنه، بل أقول: إن ظروفه غير ظروف الشباب . وأنا عليّ مسئوليات عائلية، ولي منزلة اجتماعية لا يسهل إزاءها التقشف.

ملاحظة رابعة: هل تشكو من مرض ؟

الجواب: جسماني لا، ولكني مرهق عقليًا ومتوتر عصبيًا . وإلى حد ما فإنني بسبب ذلك خائر القوى، فاقد الطمأنينة والاستقرار.

ملاحظة خامسة: لماذا لا تعرض نفسك على طبيب نفساني ؟

الجواب: لم أترك بابًا إلا طرقته . وقد هالني أن من يسمون أطباء نفسانيين هم أحوج الناس إلى العلاج . إذن لا يوجد طبيب نفساني بحق على الإطلاق . وإني أرى أن طبيبي النفساني يكمن في عالم ديني مثقف، واسع الاطلاع، مجرب يراعى الظروف والأحوال، وإني أرجو الله أني في هذه الرسالة قد وجدت ضالتي المنشودة.

تكرموا بدراسة ظروفي دراسة دقيقة، ثم تفضلوا بإعطائي رأيكم الذي أرجو أن أجد فيه ما يريح النفس إن شاء الله.

ع . س.

الجواب:

الأخ الفاضل حفظه الله ووفقه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فأبدأ رسالتي إليكم بإزجاء الشكر لكم على ما أضفيتموه علي في رسائلكم السابقة من أوصاف وفضائل، أسأل الله تعالى أن يجعلني لها أهلاً، وأن يحقق حسن ظنكم بي، ويغفر لي ما لا تعلمون.

وأثني بالمعذرة عن تأخري في الإجابة عن رسالتكم بل رسائلكم، التي سرني ما تضمنته من معان تدل على فهم ووعي، وخبرة بالحياة والناس، والحقيقة أني أخرت الرد عليكم عن قصد حسن لا عن إهمال متعمد، فقد كنت أؤمل أن أجد عند نفسي فراغًا يمكنني من كتابة رد مفصل على رسالتكم، نظرًا لما اشتملت عليه من رغبة صادقة في معرفة حكم الإسلام - كما أتصوره على الأقل من وجهة نظري - في مسائل مهمة، أصبحت جزءًا من حياتنا الحاضرة للأسف الشديد.

ورغم طول المدة لم أتمكن من تحقيق ما رغبت فيه حتى جاءتني رسالتك الأخيرة، فأجبرتني على أن أكتب لك شيئًا رغم ضيق الوقت وكثرة الشواغل، ومشكلة أمثالنا: أن الواجبات عندهم أكثر من الأوقات، والزمن لا ينتظر، والناس لا يعذرون، والعمر قصير، والظهر كليل، وقد قال حكيم: لا تسأل الله أن يخفف حملك ولكن سله أن يقوي ظهرك.

إن المسائل التي سألت عنها كلها تنبع من عين واحدة، وكلها يعبر عن مشكلة واحدة، وهي مشكلة الفرد المسلم يعيش في ظل نظام غير إسلامي، وحياة غير إسلامية.

إن كل الأمور التي سألت عنها من التأمين على البضائع، والاقتراض من البنوك لتوسعة التجارة، ووجود ضرائب تصاعدية عالية في بعض البلاد، مع ما يجب على المسلم في ماله من زكاة . . . كل هذه وأمثالها، لم تكن لتحدث لو كان نظام الإسلام هو الذي يحكم الحياة، ويقود المجتمع وفق شرع الله . ولكن مأساتنا أننا أخذنا أنظمة الحضارة الغربية وخاصة في المال والاقتصاد، وهي أنظمة رأسمالية، تقوم في الأساس على فلسفة للمال غير فلسفتنا، ونظرة للحياة غير نظرتنا . فالربا يجري منها مجرى الدم في العروق، لا تحيا إلا به، ولا يمكنها الاستغناء عنه، والمعاملات المشتملة على (الغرر) تسري في نظامها كله . . ولهذا يكون من الظلم أن نحاول نحن ترقيع هذا النظام بأجزاء إسلامية، لأن هذه الأجزاء ستكون " قطع غيار " في غير جهازها وغير مكانها.

إن خطأنا الأساسي أننا نستفتي الإسلام في مشكلات لم يصنعها هو، ونريد منه أن يعالج أمراضًا جلبناها نحن من مكان آخر، ولم نتبع أسلوب الإسلام في الوقاية منها.

نستورد نظام المصارف أو البنوك بعجره وبجره، كما أنشأته الرأسمالية الغربية الربوية اليهودية، ونخضع رقابنا له، ونجري معاملاتنا على أساس وجوده . ثم نقول للإسلام: حل مشكلاتنا مع البنوك الربوية.

وجواب الإسلام الصحيح: أن دعوا هذه البنوك وأسسوا لأنفسكم مصارف أو " بنوكًا " إسلامية الأساس، تقوم على غير الربا وتتعامل بشرع الله - إن كنتم مؤمنين.

وليس هذا بالمستحيل ولا بالمتعذر لو صدقت النيات وصحت العزائم، فقد قيل: إذا صدق العزم وضح السبيل.

وقد كتب كثير من الباحثين الإسلاميين المتخصصين في المالية والاقتصاد كثيرًا من البحوث الجيدة حول إقامة مصارف إسلامية، ووضعوا مشروعات عملية لهذا، ولا يحتاج الأمر إلا إلى التبني من جهات تملك المال والنفوذ.

قد تقول: وما ذنب الفرد إذا انحرف المجتمع، أو انحرفت الأنظمة والحكومات ؟ وماذا يستطيع أن يفعل وهو فرد، لا يقطع عرقًا ولا يريق دمًا ؟

والجواب: أن المجتمع ما هو إلا أفراده، وقد ساهم هو بسكوته ورضاه، بل بتعامله الإيجابي مع المؤسسات اللا إسلامية - في صنع الواقع المخالف للإسلام.

وينبغي أن يظل الفرد المسلم غير راض عن نفسه، وعن الأوضاع المعوجة من حوله وأن يبقى هذا الشعور حيًا متوقدًا بين جنبيه، حتى يستطيع - بالتعاون مع أمثاله من المؤمنين الثائرين على حياتهم وعلى انحرافات مجتمعهم أن يعملوا على تغيير الأوضاع اللا إسلامية إلى أوضاع إسلامية، يومًا ما.

إن هذه الشحنة هي رصيد هذا التغيير المنشود . وبدون هذه الشحنة النفسية من الغضب والنقمة لا أمل في أن يستقيم نظام أعوج، أو يصحح وضع منحرف.

لا بد أن يبقي الفرد المسلم في ظل الأوضاع المذكورة شاعرًا بالإثم، وبالضيق، وبالتبرم، فإن هذا الإحساس من بقايا الإيمان، لأن معناه أنه لا يزال يرى المعروف معروفًا والمنكر منكرًا وأن أخطر ما تصاب به الأمة المسلمة أن تفقد - بطول رؤيتها للمنكرات وإلفها لها - إحساسها بها، وتمييزها لها، فلا تلبث أن يختلط عليها الأمر ويلتبس عليها السبيل، وتضطرب في حياتها الموازين، حتى ترى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا . وقد تتوغل في الضلال، فتنتهي إلى مرحلة أسوأ وأقبح، وهي أن تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، وربما تفعل ما فعلت بنو إسرائيل، فتقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس.

إني أشعر ويشعر كل عالم غيور فاهم لحقيقة الإسلام وحقيقة الأوضاع من حوله ولا يأخذ الأمور بظواهرها، ومن سطوحها لا من أعماقها - أشعر بأن الفرد المسلم يعاني من هذه الأوضاع ما ينوء به ظهره، إذا أراد أن يحيا مسلمًا حقًا، غير مخدوش الإسلام.

ولكني أشعر بجوار ذلك أن من المخاطرة بدين المرء، وبمصير المجتمع كله - إصدار " فتاوى تبريرية " غايتها محاولة إيجاد مخارج فقهية لإضفاء الشرعية على الواقع الذي يضغط علينا ضغطًا شديدًا، ناسين أن رسالة الدين أن يرتفع بواقع الناس إلى مثله العليا، لا أن يهبط بمثله ليبرر واقع الناس.

إن هزيمتنا الروحية والفكرية أمام الحضارة الغربية وشعورنا بالنقص تجاهها، هي التي وضعتنا هذا الوضع الغريب، وهي محاولة تطويع الدين للحياة، بدل تطويع الحياة للدين.

وأي حياة ؟: إنها حياة لم نصنعها نحن بعقولنا وأيدينا مختارين، بل صنعت لنا فأخذناها كما هي، فنحن معها مجرد مستوردين يأخذون ما يصنع لهم، لا منتجين يصنعون ما يلائمهم . وفرق كبير بين الصانع والمستورد . الصانع إيجابي منشئ، والمستورد سلبي مستقبل.

ولئن جاز استيراد السلع المادية على كراهة، لا يجوز استيراد الأفكار والمذاهب، وما ينبثق عنها من أنظمة تعبر عنها، ولئن حدث ذلك في غفلة الزمن وغيبة الشخصية الإسلامية عن مسرح الواقع - لا يجوز أن يكون عملنا الفكري البحث عن فتاوى، لإلباس الأوضاع الأجنبية زيًا شرعيًا.

إن أول مظاهر السيادة والاستقلال أن نتحرر من عقدة النقص تجاه الغرب وفلسفته وحضارته وأنظمته، وأن نصمم على أن نقول " لا " بملء فينا، لكل ما لا يوافق ديننا.

إننا لا نبقي للدين أي احترام إذا جعلنا مهمته تبرير الواقع وتسويغ ما يفعله الحكام، يمينيين كانوا أو يساريين، رأسماليين أو اشتراكيين . أي جعلناه مجرد " موظف تشريفات " عمله أن يرحب بكل وضع جديد، ويبارك كل نظام مستحدث، فهو في أيام سطوة الرأسمالية يحلل الربا والاحتكار والتظالم الاجتماعي، وفي أيام سطوة الاشتراكية يجيز التأميم والمصادرات بحق وبغير حق ..

المشكلة إذن ليست مشكلتك يا أخي وحدك، ولكنها مشكلة الأمة الإسلامية في هذا العصر: هل تريد أن تعيش بالإسلام وتحيى نظامه وحضارته أم تريد أن تظل ذيلاً للحضارة الغربية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي.

وبعبارة أخرى: هل تريد أن تعيش لرسالتها، أصيلة تقود ولا تقاد وتُتَّبع ولا تَتَّبع أم تريد أن تحيا حياة القرود، مهمتها التقليد والمحاكاة ؟

الأمر يا أخي أكبر مما تتصور، ويتصور بعض المتعجلين من المشتغلين بالفقه والفتوى، فلا تحمل على علماء الدين إذا خالفوك في الاتجاه، ولا ترمهم بجهل الدين والحياة، وثق أن عمر - الذي تحدثت عنه في رسالتك - لو كان موجودًا اليوم لرفض هذه الأوضاع كلها، وغيرها باسم الإسلام، ولم يجعل أكبر همه أن يسوغها بأي سبيل.

على أن المسائل التي سألت عنها ليست في درجة من حيث القبول والرفض، ولعل أقربها إلى القبول عملية التأمين على البضائع فيمكن أن يكون لها وجه من الناحية الشرعية لولا أنها مشوبة بالربا، كما هو الشأن في كل شركات التأمين حاليًا.

ويمكن إجازة ذلك بحكم الظروف الراهنة، وبقدر الحاجة، بخلاف التأمين على الحياة، فهو بعيد كثيرًا عن صور المعاملات الإسلامية، ولا ضرورة إليه.

أما الاقتراض من البنوك بالفوائد، فهو حرام قطعًا، لأنه الربا الذي لعن محمد - صلى الله عليه وسلم - آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه . ولا يحل مثل هذا الحرام القطعي إلا لضرورة، مثل الحاجة إلى القوت للأولاد، والكسوة الضرورية لهم، وعلاج المريض الذي يخشى عليه من تفاقم المرض ونحو ذلك.

أما التوسع في التجارة فليس ضرورة يباح لها مثل هذا الحرام الذي آذن القرآن أصحابه بحرب من الله ورسوله.

وليعش المسلم قانعًا بالقليل من الحلال مباركًا له فيه، بدل الكثير من الحرام الذي يمحقه الله في النهاية، فالربا وإن أكثر فهو إلى أقل.

أما موضوع ما تدفعه من ضرائب تصاعدية باهظة لتلك الدولة التي ذكرتها من الزكاة، وهي دولة لا دينية، ومن بين سكانها مسلمون ونيتك أن يكون هذا للمسلمين من رعاياها . . فهذا ما لا يجوز بحال . فإنما يصح أن يحتسب ما يؤخذ من المال زكاة إذا توافرت له شروط ثلاثة :

1- أن يؤخذ ما يؤخذ باسم الزكاة ورسمها، أي بشروطها ونسبها ومقاديرها الشرعية، لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الكبرى، والشعائر لا بد أن تبقى لها صورتها وعنوانها.

2- أن يصرف في مصارف الزكاة الشرعية كما أمر الله في كتابه . وهذا مترتب على الأول.

3- أن يدفع بنية الزكاة، لأنها عبادة ولا تجزئ إلا بنية.

فلو سلمنا بتحقيق الشرط الثالث وهو النية، فمن أين لنا بالشرطين الأولين ؟

ولقد رجحت في كتابي " فقه الزكاة " أن الضرائب الوضعية في البلاد الإسلامية نفسها لا يجوز أن تحتسب من الزكاة، فكيف ببلاد وثنية أو لا دينية لعل المسلمين لا يصيبهم من دخل حكوماتها إلا الفتات لو أصابوه.

وما اخترته هنا هو ما أفتى به العلامة المجدد السيد رشيد رضا، وشيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت رحمهما الله .وقد قرأت أخيرًا أن مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد في القاهرة في مايو 1965 اتخذ في ذلك قرارًا هذا نصه:

" إن ما يفرض من الضرائب لمصلحة الدولة، لا يغني القيام به عن أداء الزكاة المفروضة ".

ولهذا، فإن عليك أن تقوي إرادتك، وتعزم على إخراج زكاتك، تطهيرًا لنفسك ومالك وشكرًا لنعمة الله عليك، فما أظن تلك الضرائب تطهر نفسًا أو مالاً أو تفي بشكر النعمة، ولا أظنك تعتقد هذا أيضًا.

ومعنى هذا أن المتدين يتحمل من الأعباء المالية ما لا يتحمله غيره، وهذا صحيح . ولكن هذه ضريبة الإيمان والإسلام في عصر ضعف فيه الدين، وقل اليقين، ولهذا جاء في الحديث: " أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر " وكان المستمسك بدينه في خضم فتن هذا العصر له أجر خمسين من بعض الصحابة.

وأعتقد أن في هذه الصفحات ما يكفي لتوضيح ما سألت عنه، ووصله بجذوره الحقيقية، وما كنت أحسب حين أمسكت بالقلم إلا أنني سأكتب لك سطورًا معدودة، ولكن الله هو الذي قدر لي أن أكتب ما كتبت، عسى أن يكون فيه نفع وعبرة.

أما ما تشكوه من إرهاق الجسم، وقلق النفس، وتوتر الأعصاب، فأنصحك بتلاوة القرآن تلاوة تدبر، والتضرع إلى الله تعالى والوقوف على عتبته موقف العبودية الخاشعة، ومجالسة الصالحين ما استطعت وقراءة سيرهم، ففي ذلك شفاء لما في الصدور.

وإني لمعجب بكلامك العميق البصير عن الطب ورجاله، وأسأل الله أن يشرح لك صدرك، وييسر لك أمرك، ويثبت على الحق قدميك، ويجعل لك نورًا تمشي به في الظلمات، وفرقانًا تميز به بين المتشابهات، ويغنيك بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمن سواه، وأن يجعل لنا حظًا من هذه الدعوات معك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقارنة من حيث المنطق النظري والواقع التطبيقي

البنك الإسلامي والبنك التقليدي ( مقارنة من حيث المنطق النظري والواقع التطبيقي

خالد جوده أحمد

Friday 17-02 -2006

1 - مقدمه :
موضوع البنك الإسلامي والبنك التقليدي ( دراسة مقارنة ) من الموضوعات الشائكة كثيرة التفريعات ، كما انه شديد الأهمية بالنسبة للمسلمين بصفه عامه سواء بصفه فرديه أو جماعية ، ويكفى للتدليل على مدى أهمية هذه الدراسة وأثرها في المجتمع ذلك الجدل الفقهي المحتدم على الساحة منذ وقت بعيد حول موضوع " فائدة البنوك " سواء كانت على الايداعات أو القروض ، ذلك الجدل الكبير الذي يحظى باهتمام غير عادى سواء من جانب الأفراد او المؤسسات نظرا لكونه ذو جوانب دينية عميقة شديدة الصلة بنطاق الحلال والحرام ، وكونها عقيدة للمسلم أسستها نصوصا شريفه عديدة تحذر المسلم تحذيرا بالغا من الوقوع في دائرة الربا ، وكذا اهتمت بهذا الموضوع المؤسسات المختلفة لصلة هذا الموضوع بالهيكل الإقتصادى والمصرفي للدول ، وما قامت البنوك الإسلامية أصلا إلا لتكوين أوعية اقتصادية جديدة مصاغة حسب الشريعة الإسلامية ولا تتعامل بالفائدة أخذا وعطاء ، وهذا النقاش متصل بصفة أساسية حول موضوع البنك الإسلامي والبنك التقليدي ، والمقارنة تتكون من جوانب كثيرة تتصل إضافة للاساس النظري إلي ميدان التطبيق العملي سواء من ناحية التشريعات القانونية أو النواحي الرقابية للبنوك المركزية أو ميدان التعاون بين صنفي البنوك داخل إطار مصرفي واحد ، ولا شك أن هناك أطروحات ودراسات قيمة وعديدة ورائدة للإجابة حول العديد من الأسئلة في هذه القضية ، وكذا تناول قضايا أخري في إطار هذا الموضوع الهام ، مما استوجب أداء محاولة للمشاركة في فض الاشتباك بين العديد من المفاهيم ومجموعة المحاورات الثائرة والآراء المتعددة والأسئلة المثارة دون ادعاء الشمول والإحاطة بجميع حوانب الموضوع ، إنما هي إشارة مختصرة وإلماح سريع وإضاءة خاطفة في إطار هذا الموضوع بل الموضوعات الكثيفة والتي تحظى بإهتماما متزايدا منذ بدأت تجربة البنوك الإسلامية ( عام 1977م ) وحتى الآن .


2 –
البنك الاسلامى فى اطار عقائدى :
بدأت تجربة البنوك الإسلامية فى مصر على يد الدكتور / أحمد النجار ( رحمه الله ) ، ثم توقفت لتستكمل مسيرتها بإنشاء بنك ناصر الاجتماعى ، إلا أن البداية الحقيقية للبنوك الإسلامية على مستوى القطاع الخاص كانت بإنشاء بنك دبى الإسلامى عام 1977م ، ثم تزايدت أعداد البنوك الإسلامية ليس فى البلاد الإسلامية ( وفى قلبها البلاد العربية ) وحدها بل فى البلاد الغربية نفسها ، بما اثبت نجاح هذه التجربة بشكل مؤكد ، والمؤشر الاساسى أن نشأة ونجاح تجربة البنوك الإسلامية إنما كان استجابة لتصاعد الحس الإسلامى لدى جماهير المسلمين ورغبتها الأكيدة للعودة إلى شرائع الإسلام الحنيف فى شتى شئون الحياة ، ومن هنا تنبع الأهمية البالغة لهذه التجربة من حيث كونها تمثل التطبيق العملى للإسلام فى مجال المال ( وهو مجالا حساسا وهاما فى حياة الافراد والمجتمعات ) ولهذا الجانب العملى اهميته البالغة فى عصرنا الحديث ، يذكر احد الباحثين : " ان تجربة المصارف الاسلامية تمثل احدى الخطوات العملية فى محاولة لترجمة المبادئ الى برامج ، وايجاد الاوعية الشرعية لنشاط المسلم الاقتصادى بعيدا عن الانشطة الربوية التى تتحكم بتصرفاته ، وتنغص حياته " ، وقد افاضت الكثير من المراجع فى تفصيل نظرية الربا المحرم والتى ترتكز على جملة من النصوص الشريفة والتى حرمت الربا تحريما قاطعا ، ففى ثلاث مواضع من القرآن الكريم من سور البقرة وآل عمران والروم وردت الآيات تتناول هذا المعنى ، منها قوله تعالى :

" الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا "
(
الآية رقم 275 من سورة البقرة )
وقال تعالى : " يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم "
(
الآية رقم 276 من سورة البقرة )
وقال تعالى : " يايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين . فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون "
(
الآيتان رقما 278: 279 من سورة البقرة ) .
وقال تعالى : " يأيها الذين امنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون "
(
الآية رقم 130 من سورة آل عمران ) .

وقال تعالى : " وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله "
(
من الآية رقم 39 من سورة الروم ) .

ومن الأحاديث الشريفة :
"
عن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله . قال فقلت : وكاتبه وشاهديه ؟ قال : إنما نحدث بما سمعنا "
(
صحيح مسلم باب 19 كتاب المساقاة موضع 3916 ) ، وفى موضع آخر من صحيح الإمام البخاري ومسلم : " لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه " .

ولهذا جميعه استقرت المجامع الفقهية على حرمة الربا سواء كان جليا ( ربا النسيئة ) او خفيا ( ربا الفضل ) منها فتوى لجنة الفتوى بالازهر الشريف : " بان الايداع فى المصارف على النحو المعروف الآن ربا محض وهو محرم . كذلك الاقراض بفائدة أيضا ربا محض وهو محرم " ، وعلى الصعيد الفقهى أيضا جاءت فتوى العزيمة ضمن قرارات وتوصيات المؤتمر السنوى الثانى لمجمع البحوث الاسلامية والمنعقد بالقاهرة عام 1965م : " الفائدة على انواع القروض كلها ربا محرم ، لا فرق فى ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكى وما يسمى بالقرض الانتاجى فان كثير الربا وقليله حرام " .

وقد استقرت الفتوى منذ بدء ظهور المصارف بشكلها المعاصر على حرمة فوائد البنوك ، حتى دارت فى الآونة الأخيرة محاورات محتدمة بين الفقهاء وغيرهم حول العديد من الأحكام حول هذا الموضوع ، وبداية نشير إلى مجموعة نصوص منتقاة حول الربا ، ثم نثنى ( بمشيئة الله تعالى) بقراءة سريعة حول مساحة هذا الجدل .

3 –
نصوص مختارة حول مضار الربا :
الشرع الحكيم قام بتحريم الربا لحكمة جليلة ( فالتحريم فى الاسلام لا يقوم الا عند تحقق الضرر وتغلبه على النفع ان وجد النفع ، والضرر فى الربا وارد ) ، وتعظم اضرار الربا وتتعدد لتشمل جوانب واقتصادية واجتماعية واخلاقية يصعب حصرها فى نطاق سطور قليله منها تكديس الاموال فى حوزة طائفة واحدة تتحكم فى المجتمع ، والشعور بالظلم الفادح والغبن من جانب المقترضين ، وغلاء الاسعار لتحميل سعر الفائدة على المنتجات وتخفيض الاجور ، وعدم التوسع فى الاستثمارات ... الخ

لكن نشير الى مقالات استوقفتنى احببت ادراجها لشرحها فى اختصار هذه الجوانب :
-
ففى نص أدبي جميل لأديب العربية / مصطفى صادق الرافعي ( رحمه الله ) فى كتابه القيم " المساكين " والمنشور عام 1916م يقول : " ادلة الحقوق الانسانية كثيرة تفوق الحصر لان كل صاحب ربا قد جمع مال السحت من استنكال الناس انما هو فى نفسه دليل عليها ، ولعمرى انه ليس احد اخيب رجاء ولا احق بان يخيب ممن يسال المتهالك على الربا – الذى يستنبت دراهمه بين الاحزان والدموع احسانا لوجه الله ، فان هذا الذى لا يعرف الله فيما ياخذ لا يعرف الله فى يعطى " ، ثم يعلق ( رحمه الله ) فى الهامش : " لسنا نرى فى الربا خيرا اجتماعيا خالصا ولا نفعا انسانيا صحيحا على الاطلاق وما هو الا محق الله للانسان ومحق الانسان لنفسه ولكن كثيرا من الرذائل الانسانية كالربا وغيره اصبح من دخوله فى شرائع الاجتماع الفاسد كأنه بعض الشرائع ، فاستكان اليه ضعفاء الناس واقبلوا يخربون بيوتهم بايديهم ، ولعل حكمة تحريم الربا فى الاسلام انه فى الاكثر اكل لبقية الفقير وانتفاع باضطراره وارهاق له بمضاعفة الحاجة عليه ، وهى كلها اداوات قتل اجتماعى " .

- ويقول الشيخ عبد اللطيف السبكى فى كتابه نفحات القران الكريم : " المفروض فى المعاملات انها تعاون : لاشقاق ولا خصومات ، ولنا فى الواقع شاهد على فساد ما نحن فيه ، فالجشع بين الناس يزداد ويتفشى ، والثقة تضعف وتتقلص والكساد يلاحق الكثيرين والشكوى تزداد من تعسر الارزاق بعد رواجها " ثم يشير لاحد اهم اسباب ذلك الا وهو الربا : " وهذا كسب مادى لا خسارة فيه ... وهو يغرى النفس بالاستكثار منه لانه نماء مع الراحة من الكد على حساب المدين ومن غير اسهام فى مجال الانتاج كما هو مطلوب فانسان عنده دراهم معددوده يستطيع ان يتقاعد عن العمل ويبتز زياده ماله من جهود المدينين الكادحين ... ويتضاعف ماله من مال غيره وهذا يعتبر فى مصلحة الموسر الدائن ولكنه مثار اضرار جسيمة تلحق بالمدين وبالمجتمع ففيه قضاء على روح التعاون والرحمة وفيه استئصال للمروءة بين الناس ... وسد لباب القرض الحسن فتبتعد الانفس عن مجال الاحقاد ... وازاء هذا يكون الربا من بواعث الشر ، ولايكون مجلبة للخير فهو مناقض لسنن الاجتماع ولمقاصد الدين فى رعاية الاصلح للناس "


4 –
الجدل الفقهى :
يرتبط بقضية البنك الاسلامى والبنك التقليدى فى الاونة الاخيرة ذلك الخلاف الفقهى الواسع النطاق والذى تفجر مع ظهور اراء فقهية تجيز التعامل مع البنوك التقليدية بالايداع لديها عن طريق شهادات الاستثمار ثم اشتبكت الاراء مرة اخرى مع صدور فتوى مجمع البحوث الاسلامية فى شهر نوفمبر 2003م بخصوص الايداعات فى البنوك التقليدية مقابل فائدة ، حيث راى المجمع ان فوائد هذه الايداعات حلال ، بينما يرى اخرون ان فى ذلك توطئة لاصدار فتوى جديدة تقول بحل المعاملة فى الشق الثانى من تعاملات البنوك التجارية والخاص بفوائد القروض والتى تقدمها هذه البنوك ( رغم ان الايداع والقرض لهما طبيعة واحدة مع عكس اطراف المعاملة ) ، والفتوى الجديدة بحل فوائد الايداع كانت بمثابة الزلزال الذى هز ارجاء الحياة الاقتصادية والمصرفية بما اثاره من جدل محتدم خصوصا وان هناك فتاوى عديدة ( كما اشرنا ) لمجامع فقهية اسلامية اكدت بما لايدع مجالا للشك بان فوائد البنوك ربا ، ولسنا هنا بمعرض تفصيل مساحة هذا الجدل مع تنوع تفاصيله بشكل شديد التناقض خصوصا وان اطراف هذا النقاش الساخن من الفقهاء واساتذة القانون والاقتصاد بما سبب حيرة شديدة لعموم المسلمين فى هذا الامر الحيوى والضرورى ، بما يوجب سرعة عقد مجمع موسع يحسم الخلاف ويبصر المسلمين بالراى الاخير والحاسم ، والاتى محاولة موجزة لاستجلاء بعض ملامح دائرة هذا الجدل الواسع النطاق :

بداية وفى تجربة خاصة قمت بالبحث عن طريق الحاسب الالى لكلمات " الربا " و " الفائدة " فى موسوعة الفتاوى الاسلامية والصادرة عن دار الافتاء المصرية لمدة مائة عام ، فلم اجد فتوى واحدة تشير الى ان الايداع او الاقتراض من البنك يعد امرا حلالا ، والتالى امثلة يسيرة من المبادئ والتى يتم ادراجها فى مطالع هذه الفتاوى ردا عن اسئلة السائلين فى اعوام عديدة :
الربا بقسميه ربا النسيئة وربا الزيادة محرم شرعا بنص القران الكريم والسنة المطهرة وباجماع المسلمين
• ...
وكل قرض بفائدة محدده مقدما حرام .
الاقتراض بالفائدة لتشييد بناء لاستغلاله بالتأجير او التمليك للغير كسب مشوب بالربا والذى يحرم على المسلم التعامل به .

تحديد الفوائد على الاموال المودعة بالبنوك مقدما من قبيل القرض ولا فرق فى حرمة التعامل بالربا بين الافراد والجماعات او بين الافراد والدولة .
الاقراض بفائدة هو محرم شرعا ، وعدم تحديدها مقدما هو من قبيل المضاربة فى المال وهى جائزة شرعا .
الفائدة المحددة والتى تصرفها البنوك نظير ايداع الاموال بها هى من قبيل الربا الزيادة المحرم شرعا ولا فرق فى حرمة التعامل بالربا بين الافراد والجماعات او بين الافراد والدولة .
ولم يقتصر الامر على دار الافتاء المصرية وفقط بل ايضا فتاوى اخرى من جهات عدة بل وايضا المجمع الاسلامى نفسه ( صاحب الفتوى الحديثة ) فى منتصف السينيات .
ويرى د . على جمعه مفتى مصر ان الربا من الامور المتفق على حرمتها شرعا ، ولكن اختلف العلماء منذ ظهور البنوك فى العصر الحديث حول التعامل بفائدة معها وذلك حسب تكييف المعامله بين البنك وعملائه حسب وجهات نظر متعددة فاهل القانون كيفوا العلاقة على اساس انها عقد قرض جر نفعا فكان الحكم على انها من الربا المحرم شرعا ، واذا تم تكييف العلاقة انها من قبيل الاستثمار فى عرف الاقتصاديين كان الحكم على انها من قبيل المضاربة الفاسدة ، وطائفة ثالثة رأت انها من ضمن المعاملات المستحدثة وان العلاقة بين العملاء والبنك من قبيل العقود الجديده الغير مسماه فى الفقه الاسلامى فالحكم فيها الحل ، ثم يقرر بعد القاعدة المقررة شرعا وهى انه ينكر ترك المتفق على فعله او فعل المتفق على حرمته ولا ينكر المختلف فيه وان الخروج من الخلاف مستحب .

وفى كتب الفقه الاسلامى والتى تشرح الفروق بين عقد القرض والذى ينقل الملكية للمقترض وله ان يستهلك العين ويتعهد برد المثل لا العين والمقترض هنا ضامن للقرض اذا تلف او هلك او ضاع يستوى فى ذلك تفريطه من عدمه ، وعقد الوديعة حيث لا ينقل الوديعة الى المستودع لديه وليس له الانتفاع بهذه الوديعة ويتعهد برد العين للمودع ، فهى فى النهاية امانة فى عنق المستودع لديه الوديعة ، ووجهة نظر كثير من الفقهاء تتفق من وحهة النظر القانونية بالنظر الى عقد البنك مع عملية بكونه عقد قرض حتى لو اشار اليه البعض بالودائع لدى البنوك ، كما ان الفرق واضح بين القرض والمضاربة من حيث ان القرض ليس من باب الشركة فمن اخذ قرض يستثمره لنفسه فقط ويضمن رد المثل بالاضافة الى فائدة بعكس المضاربة والتى هى شركة فيها الغنم والغرم للاثنين معا .

ويرى اخرون ان المشكلة تكمن فى المصطلحات البنكية وضرورة تحديدها بدقة ولنه يجب عقد المؤتمرات العلمية الموسعة لبحث القضية من منظور فقهى واقتصادى وقانونى .
وفتوى مجمع البحوث الاسلامية بحل فوائد الايداع ترتب عليه ان ذكر البعض ان البنوك التقليدية والتى فتحت فروعا اسلامية تعانى من الاذدواجية فى الشخصية او النفاق فى التعامل حيث لا فارق بين البنك التقليدى والبنك الاسلامى ويجب الغاء تلك المسميات الشكلية ( فى رأيهم ) فورا ، حيث يخضع الاثنان لرقابة البنك المركزى ويخضعا لنفس القوانين وبالتالى فلا داعى لتخصيص فصل خاص فى القانون ليتناول البنوك الاسلامية لدرجة انه قيل ان البنك الاسلامى ( وطبقا للفتوى الجديدة ) بدعة لا اساس لها من الصحة ونسى القائل ان هناك اختلاف فقهى موجود اصلا ولا يصح له التحيز بهذا الشكل طالما لم تحسم القضية بعد .

وقد انتقد كثيرون فتوى مجمع البحوث الاسلامية اصلا لبناء الفتوى على رأى خالف اجماع الامة ، كما انتقد اخرون عدم تمثيل الفقهاء فى هذه الفتوى ويرون ان المجموعة المكونة لاداء هذه الفتوى من القانونيين والاقتصاديين وبعض المتخصصين فى الدعوة ، كما تحفظ اثنان من اعضاء المجمع نفسه على هذه الفتوى ، ود . عبد العظيم المطعنى صرح برأيه بشكل واضح قائلا : " اذا جاءت الفتوى بما هو محسوم سلفا وباجماع علماء المسلمين فاننا نضرب بها عرض الحائط "

5 –
المنطق النظرى للبنك الاسلامى :
اشرنا سابقا ان نشاة البنوك الاسلامية كانت استجابة لتصاعد المد الاسلامى فى مجالات الحياة المختلفة وعلى رأسها المجال الاقتصادى ، ونشير فى ايجاز الى المنطق النظرى القائم عليه البنك الاسلامى والذى يقوم على استبدال نظام الفائدة ( باعتبارها فائدة ربوية ) بنظام يشكل مجموعة من صيغ الاستثمار فى الاسلام وهى المشاركة ، والمضاربة ، والمرابحة ، ولكل صيغة من هذه الصيغ مجالها وميزاتها ، فالمشاركة ( وهى افضل اساليب التمويل الاسلامى ) تقوم على مشاركة من يملك المال سواء كان فردا او مؤسسه مالية فردا او شركة بقصد تنمية امواله بشروط وضوابط متفق عليها ، فالمشاركة عقد بين المتشاركين فى رأس المال والربح ، ولها انواع منها المشاركة الدائمة ، والمشاركة المنتهية بالتمليك ، والمشاركة لاجل محدد لتويل عملية محدده ، والوكالة ، والاسلوب الثانى والذى يعتمده البنك الاسلامى هو المضاربة وتعنى ان يقدم طرف يملك المال ولا يحسن العمل مبلغا من المال الى طرف اخر يحسن العمل ولا يملك المال لكى يستثمره له ويكون الربح بينهما حسب خطة اقتسام ربح معينة ، وهى من صيغ التمويل الاسلامى الهامة لمزج المال بالعمل ، ولها انواعا ايضا منها المضاربة الخاصة ، والمضاربة المشتركة بين عدد من الاطراف يملكون المال ومضاربا واحدا ، والصيغة الثالثة هى المرابحة وتعنى بيع بمثل الثمن الاول مع زيادة مقدار من الربح وهو شكل من بيو ع الامانة .

وعليه تكمن اهم الفروق من حيث المنطق النظرى بين البنك الاسلامى والبنك التقليدى فى الفكرة الرئيسية للبنك الاسلامى وهى اعتماد الصيغ الاسلامية فى التمويل بديلا عن نظام متاجرة الديون والتربح من فروق اسعار الفائدة بين الايداع والاقتراض فى البنك التقليدى ، وقد اشار د. منير هندى فى مؤلفه القيم عن الاسواق و المؤسسات المالية الى عناصر محدده فى مجال المقارنة نلخصه ونتصرف فيه على النحو التالى : فمن حيث الاهداف تتسع دائرة اهداف البنك الاسلامى ليشمل اضافة الى تعظيم ثروة الملاك ، تعظيم ثروة المودعين باعتبارهم مشاركين للبنك ، وكذلك الهدف الاساسى وهو محاربة الربا والاحتكار وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الاسلامية ، ومن حيث العلاقة مع المودعين فالبنك الاسلامى غير ملتزم برد الوديعة الاستثمارية او بضمان عائد معين للمودع كما يتحمل المودعين الغرم ولهم الغنم دون مشاركة البنك الا فى الحالات التى تنجم فيها الخسائر عن سوء الادارة ، بمعنى انها علاقة صاحب المال ( المودع ) والمضارب ( البنك الاسلامى ) ، وذلك عكس البنك التقليدى حيث علاقته بالمودعين هى علاقة دائن بمدينه ، والوديعة هو ملتزما بردها حسب سعر فائدة معينة ، وعن كيفية محاسبة المودعين فى البنك التقليدى يحصل المودع على عائد محدد سلفا على ضوء مبلغ الوديعة وفترة الايداع ومعدل الفائدة ، وبالنسبة للبنك الاسلامى لامودع يحصل على عائد يمثل نصيب مشاركة الوديعة فى تحقيق ارباح البنك على اساس قيمة ومدة الوديعة ، وفى الشق الثانى من المقارنة وهى العلاقة مع مستخدمى الاموال ، ففى البنك الاسلامى تكون هى علاقة مضاربة ولا يطالبهم البنك بتقديم رهونات او علاقة مرابحة او مشاركة فى تأسيس الشركات ، بالنسبة للبنك التقليدى تكون العلاقة هى عمليات الاقراض مقابل فوائد محدده سلفا ، وتجريم نشاط الاتجار بيعا وشراء ، ومن حيث الانشطة الاستثمارية فبينما تنحصر فى البنك التقليدى فى الاقراض والاقتراض وعمليات الاوراق المالية مع الحفاظ على مستوى مناسب من السيولة ، اما بالنسبة للبنك الاسلامى فالانشطة الاستثمارية فيه متعدده ومتنوعة منها المساهمة فى تاسيس الشركات والتى لا تخالف الشريعة الاسلامية ، او الاستثمار المباشر فى اصول ثابته ومنقوله فى ظل صيغ الاستمار فى الاسلام ، وايضا الاتجار فى السلع لحساب البنك الخاص ، ومن حيث الرقابة على انشطة البنك والقوانين الخاضع لها وتنظيم العلاقة مع البنك المركزى فالبنك الاسلامى يخضع اضافة الى رقابة الملاك من خلال الجمعية العمومية ورقابة الحكومة ممثلة فى البنك المركزى يخضع ايضا الى الرقابة الشرعية ممثلة فى هيئة شرعية بالبنك ، ورقابة المودعين ممثلين بافراد لهم فى مجلس ادارة البنك ، كما ان البنك الاسلامى من المفترض ان تكون له تشريعات خاصة تتفق مع طبيعة عمله ( فى الانظمة المصرفية والتى تضم نوعى البنوك ) كما لا يلجأ ( كالبنك التقليدى ) للبنك المركزى كحصنا اخيرا فى ازمات السيولة والتى قد يمر بها .

هذا بايجاز شديد اهم الفروق من حيث الناحية النظرية ، ولا شك ان الواقع العملى قد يسفر عن معوقات ومشكلات معينة تواجه البنوك الاسلامية للوصول الى الصورة المثالية المشار اليها ، كما ان تشابك العلاقة وصراع الافكار والادوات بين البنك الاسلامى والبنك التقليدى ، وايضا صور التعاون المتاحة ، ينسحب على هذا الواقع التشغيلى وتقييمه سواء بالنسبة للبنك التقليدى او الاسلامى ، ونتناول هذا الجانب الهام من حيث الحديث عن واقع صنفى البنوك بصفه عامه ، ثم الاشارة الى التحديات العملية والتى تواجه البنك الاسلامى فى ظل نظام مصرفى مختلط .

6 –
تباين الرؤى ومشكلات الواقع :
منذ نشأت البنوك الاسلامية ومساحة الصراع واختلاف الرؤى قائم بين البنك الاسلامى والبنك التقليدى خصوصا فى مواحهة المشكلات الحادثة فى عالمنا المعاصر، ونبدأ كتمهيد فى الاشارة الى خسائرالقطاع المصرفى العربى حتى منتصف عام 2003م والتى تبلغ 150 مليارا من الدولارات كما ان 20% من موجودات المصارف العربية ودائع ، كما ان منها 50% قروضا للقطاع الخاص ، هل هنا ادت المصارف التقليدية دورها المنشود ( باعتماد رؤية منح الفائدة واخذها كاسلوب اسثمارى ) فى الوساطة المالية ؟ ، فهذا الوضع المتدهور اثار السؤال عن دور سعر الفائدة كاداه اقتصادية فى علاج مشكلات الركود الاقتصادى فقد اتفق الرأى بين جموع الاقتصاديين أن الاحتفاظ بمستوى أسعار الفائدة كما هى بل محاولة تخفيضها من اجل سياسة توسعية قائمة على الضخ والحقن النقدى المتزايد والذى يؤدى الى تحقيق رواج اقتصادى بعد ايقاف السياسة الانكماشية وايقاف موجات الركود والتباطؤ الاقتصادى بما له من تأثير ايجابى على المشروعات الانتاجية وبما يؤثر بشدة فى كافة المجالات الاقتصادية ، كما ثبت ايضا بالتجربة العملية ان تخفيض سعر الفائدة على الودائع حتى بقدر ربع ونصف فى المائة ينعكس بشكل ايجابى على الاستثماروالسيولة فى بورصات الاوراق المالية ، بما يدعم دورها فى تمويل المشروعات الاستثمارية ، وهذا امر متفق عليه بين خبراء الاقتصاد بوجود علاقة عكسية بين اسعار الاسهم واسعار الفائدة حتى على المستوى غير المباشر حيث ان ارتفاع فائدة القروض يرفع تكلفة التمويل على الشركات وبالتالى تقليل ارباحها وبالتبعية ربحية اسهمها ، ويذكر د. حازم الببلاوى ان الاقتصاد يمر فى هذا الوقت بمرحلة فى انخفاض اسعار الفائدة على مستوى العالم على نحو لم يعرف منذ اربعين عاما فلاوضاع الاقتصادية يسودها بشكل عام الركود وبالتالى عمدت معظم دول العالم الى تخفيض اسعار الفائدة السائدة فيها ، وهذا الحديث المستمد من الواقع العملى اثبت ان استعمال سعر الفائدة كاداه للسياسة الاقتصادية غير ذا جدوى ، وان الظروف الاقتصادية تتجه للتحسن كلما اتجه سعر الفائدة نحو الصفر ، وبالتالى تقوم البنوك الاسلامية بدورها فى انعاش الاقتصاد باعتمادها على صيغ التمويل الاسلامى والقائمة على تحقيق التوازن بين المخاطرة والعائد والمشاركة فى الربح والخسارة بين صاحب المال والمستفيد منه حتى يكون استثمار المال استثمار حقيقى عينى لا ربا ، لانه ضد مبدأ " النقود تولد نقودا " باعتبار المال امانة يجب ان توجه نحو الاستثمار لتحريك الطاقات الانتاجية وتيسير المعاملات باعتبار ان العمل هو مصدر تكوين الاموال فى الشريعة الاسلامية ، ورغم ذلك نجد التساؤل المثار لدى البعض ( منهم اساتذة فى الجامعة ) انه اذا كانت الفائدة حراما من الناحية الشرعية فما البديل الاخر اذا كان لدى الشخص اموالا يرغب فى استثمارها او مشروعا يرغب فى استكمال تمويله ، وتظل الاجابة هى دعم ونشر مفهوم البنك الاسلامى القائم على صيغ الاستثمار الاسلامى ، ونعود مرة اخرى لراى العالم الاقتصادى الشهير " كينز" عندما قال فى كتابة " النظرية الاقتصادية " : " ان ارتفاع سعر الفائدة يعوق الانتاج لانه يغرى صاحب المال بالادخار للحصول على فائدة مضمونة دون تعريض امواله للمخاطرة فى حالة الاستثمار فى المشروعات الصناعية او التجارية " وزاد " ان العالم سيكون فى حالة اسقرار اقتصادى اذا وصل سعر الفائدة الى صفر " .

و مشكلة اخرى مرتبطة بالتعثر عن السداد ،فيرى البعض ان صيغ التمويل الاسلامية كالمرابحة والمضاربة مناسبة للتعامل مع المستثمرين فى هذا العصر ، ويشيرون الى ان المستثمر القائم بالاقتراض اذا تعرض لتعثر مشروعه لاسباب خارجة عن ارادته فانه يتعرض بذلك لظلم شديد ، ويرد اخرون ان قروض البنوك يمكن ان تقترب من الحلال اذا كان هناك دراسات جدوى اقتصادية جيدة ومساندة كاملة من البنك فى حالات الركود المفاجئ بالتنازل عن الفائدة او جزء منها ، ويبقى التساول : اليس من الاولى اتباع الصيغة الاسلامية فى التمويل بدلا من هذه الاشتراطات والوقوع فى شبهة الربا خصوصا وان هناك اراء وفتاوى عديدة تحرم فائدة البنوك وترى انها من قبيل الربا وتشرح مضارها الاكيدة ، اضافة الى ان اشتراط دراسات الجدوى للحصول على قروض من البنوك لم تكن مانعة من قيام البعض بتلفيق دراسات جدوى وتاسيس مشروعات على الورق ( وهمية ) للحصول على هذه القروض ليس بغرض الاستثمار بالطبع ولكن لانتهاب هذه الاموال ، وهل يمكن للبنك فعلا ان يساند اصحاب المشروعات اذا كان قد حصل فعلا على الفائدة لدرجة ان البعض قد ادان فوائد القروض باعتبارها المسئولة عن التعثر خصوصا فى ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة ، وطبقا لتقرير البنك المركزى المصرى عام 2002م وصل حجم الديون المتعثرة فى البنوك الى مقدار يتراوح بين 24 مليار جنيه و 32 مليار جنيه اى بنسبة 14.5% من اجمالى الودائع فى البنوك والتى تصل 266 مليار جنيه باستبعاد الودائع الحكومية وان كان خبراء الاقتصاد يؤكدون ان حجم الديون المتعثرة اضعاف هذا الرقم ، ويذكر احد الخبراء المصرفيين ان مشكلة المتعثرين تهدد الوضع المالى لكثير من البنوك وتدفع بالمتعثرين اما الى الهرواب للخارج او السجن او الانتحار فالذى يؤدى الى ارتفاع المديونية وارتفاع نسبة التعثر لاى عميل هى اسعار الفائدة بالاضافة الى الفائدة المركبة التى لم تسدد وفى حالات كثيرة بلغت الفوائد اكثر من 50% من القرض الحالى ، ويذكر احدالخبراء الاقتصاديين : انه بغض النظر عن سوء النية او حسنها فى موضوع القروض فان مبالغ المديونيات مرتفعة جدا ومأخوذه منذ فترة طويلة كما لم تستمر المشروعات والتى قامت عليها هذه المديونيات مما ادى الى تراكم هذه الفوائد حتى زادت عن قيمة القرض باربع او خمس مرات ، بما يشير الى عدم امكانية استرجاع هذه الاموال ، حتى ولو كان المعثر راغبا فى ارجاعها ، وهذا بطبيعة الحال يختلف تماما عن الصيغة الاسلامية القائمة على المشاركة فى الغنم والغرم .

ونعود مرة اخرى لمناقشة الاجابة على التساول عن كيفية الخروج من مأزق المستثمر الراهن فى الحصول على التمويل المطلوب لمشروعاته ، فمثل هذا التسأول يقتضى مناقشة العلاقة بين البنوك الاسلامية والبنوك التقليدية من حيث مجالات التعاون المتاحة ثم قناعة البنوك التقليدية بالتغييروالانتقال لخانة البنوك الاسلامية ( وقد حدث فعلا فى بعض الحالات ) ليتم تغيير النظام المصرفى والاقتصادى جميعه لصبغة اسلامية تتفق والشرع الحنيف ، وحينها سيجد المستثمر الفرصة متاحة وبحرية فى استثمار امواله وفق البدائل الاسلامية ، ولا ننسى ابدا ان البنك الاسلامى يمارس اعماله فى ظل معوقات عنيفة حيث انه جزء من النظام المصرفى المختلط وان التشريعات غالبا لا توافق اعماله اضافة الى حملة عنيفة من الشائعات والشبهات .


7
حرب الشائعات والشبهات :
رغم ان البنوك الاسلامية قسما لا يستهان به فى الحياة الاقتصادية المعاصرة ، كما انها تمثل وتستوعب فئة من المتعاملين تتحرى نطاق الحلال والحرام فى المعاملات طبقا لاصول الشرع الاسلامى ، ورغم ذلك جميعه تواجه البنوك الاسلامية حملة هجوم ، وتثار حولها العديد من الشبهات والشائعات ، وجميعها يرتكز على ان البنوك الاسلامية هى صورة طبق الاصل من البنوك التقليدية مع الاختلاف فقط فى المسميات ، فالفوائد فى البنك التقليدى تقابلها كلمة العوائد فى البنك الاسلامى ، والاقراض هنا يقابله المرابحة هناك ، وطبقا لهذا المعنى فالبنك الاسلامى يتستر وراء الدين لدغدغة الحس الاسلامى لدى الجماهير بدون رصيد حقيقى من الصدق ، فهو صاحب شعارات فقط ، بل قال البعض انها بدعة لا اساس لها من الصحة ، وهو اتهاما خطيرا يسبب تشويشا على البنوك الاسلامية ويزرع هاجسا قلقا فى وجدان الجماهير المسلمة ، كما اشاع المتشككون فى البنوك الاسلامية ان البيوع بالمرابحة هى لا تختلف كثيرا عن الاقراض بفائدة ( رغم ان نظام المرابحة مثل نظام البيع بالتقسيط اما القرض فيحدد له فائدة يتقاضاها البنك على اى حال ) ، واخرون قالوا ان الاسلوب الاسلامى الصحيح هو المضاربة والذى كانت تتبعه البنوك الاسلامية ثم تخلت عنه لمخاطره العالية ، واخيرا نفلى اخرون تماما وجود اى اساليب اسلامية فى البنوك الاسلامية ، فلا يوجد بها اى اساليب للمرابحة أو المشاركة وان هذه الاساليب فوق طاقة البنوك الاسلامية اصلا وتحتاج الى شركات اسثمار متخصصة ، ويشير اخرون الى ( ان معظم استثمارات البنوك الاسلامية تتوجه الى قطاعى التجارة والخدمات وان اكثر من 80% من عملياتها يعتمد على نظام المرابحة المحدد العائد مقدما ، وانها لا تسعى للتميز وتسير فى ركب البنوك التقليدية ولا يوجد لها قانون عملها كما ان لها مشاكل مع نسبة السيولة النقدية ونسبة الاحتياطى النقدى ولا تستطيع ان تلجأ الى البنك المركزى كمقرض اخير وليس لها سجل خاص بالبنك المركزى ، كما لايوجد لها قسم خاص بالتفتيش عليها بالبنك المركزى ( العالم اليوم 24-11-2002م ) وتلك الاشارات السابقة هى من معوقات عمل البنوك الاسلامية اصلا لمحدودية انتشار فروعها وعدم رعاية طبيعة عملها والمستمدة من الشريعة الاسلامية .

ولم يقتصر الهجوم وحسب من داخل البلاد الاسلامية بل وامتد ايضا وبصورة اكثر شراسة من الغرب خصوصا بعد احداث الحادى عشر من سبتمبر فى محاولة لوقف المسيرة الظافرة لاداء البنوك الاسلامية وكانت الاتهامات مختلفة هذه المرة حتى يمكن ادراج هذه البنوك ضمن اهداف الحملة على الارهاب بادعاء تورطها فى تمويل الانشطة الارهابية وغسيل الاموال ، ويشرح د. اشرف محمد دوابه هذا المعنى بان الهدف من وراء هذه الحملة المغرضة التهميش والتشويش على قطاع المصارف الاسلامية الحيوى والذى يمثل بالتالى عصب الاقتصاديات العربية والاسلامية بما ينذر بتهديد العمل المصرفى الاسلامى ، وقد سارعت بعض البنوك الاسلامية بسحب حوالى مليار دولار اميركى من ودائعها فى الخارج عقب سبتمبر ، وهناك محاورات ومدافعات كثيرة حول هذه الشبهات وبداية يمكن استعمال لغة الارقام والاحصاءات وهى لغة واضحة تثبت بما لا يدع مجالا للشك فى ان تجربة البنوك الاسلامية تجربة ناجحة وانها ما وجدت الا لتستمر وتنتشر وتبقى ( بمشيئة الله تعالى ) .


8 –
البنوك الاسلامية ما وجدت الا لتبقى وتستمر ( بمشيئة الله تعالى ) :
ثبت نجاح تجربة البنوك الاسلامية بما لا يدع مجالا لمتشكك كما اكد ذلك الواقع العملى ، ولعل حرب الشائعات والشبهات تنطلق ضد البنوك الاسلامية لمحاولة ايقاف مسيرتها الظافرة خصوصا بعد ان استطاعت هذه البنوك اقتطاع نصيبا من السوق المصرفى ، ويزيد الامور تفاقما ان تلك الانتقادات جاءت مواكبة ايضا للاختلاف الفقهى المثار حول فوائد البنوك التقليدية ( ايداعا واقراضا ) ، بما يوجب ان يعمل الفقهاء وبمشاركة خبراء فى المجالات الاقتصادية والقانونية على حسم القضية سريعا لما يمثله ذلك من اهمية قصوى .
وليس هناك ادل من الواقع العملى وما حققته البنوك الاسلامية من نجاحات ( رغم المعوقات ) ومترجمة ايضا بلغة الارقام والاحصاءات كما يلى :

فقد انتشرت البنوك الاسلامية ليس فقط فى البلاد الاسلامية وحسب وانما ايضا فى البلاد الاحنبية ، فشبكة البنوك الاسلامية تنتشر فى اكثر من 60دولة ، وتشارك بفاعلية فى اقتصاديات هذه الدول لدرجة ان العديد من البنوك الغربية كما ذكر د. اشرف محمد دوابه : فتح نوافذ استثمار اسلامية للاستفادة من هذا القطاع الحيوى ، وكان او ل من قام بهذه الخطوة سيتى بنك الامريكى والذى اقام مصرفا اسلاميا فى البحرين براسمال عامل قدره 20مليون دولار ، وكذا سيتى جروب ، ودويتش بنك ، وايه بى ان امرو ، ومؤسسة هونج كونج وغيرها ، بل وصل الامر الى تطوير مؤشرات اسهم اسلامية من قبل مؤسسات معروفة مثل " داوجونز" ، بل ويتم الان تدريس مادة الاقتصاد الاسلامى فى مقررات وبرامج دراسية متعدده فى الخارج ، بما يؤكد قول القائل : " الاقتصاد الاسلامى سيسود عالم المستقبل لانه اسلوب كامل للحياة يحقق كافة المزايا ويتجنب كافة المساوئ " ، وقد يظن البعض ان قائل المقوله هو محلل اقتصادى اسلامى قالها فى عهد قريب ، ولكن نعجب اذا علمنا ان قائلها هو استاذ الاقتصاد الفرنسى " جاك اوسترى " وقالها عام 1961م .

كما انتشرت التجربة ايضا داخل البلاد الاسلامية ذاتها وذلك بافتتاح اكثر من سبعون فرعا اسلاميا للبنوك التقليدية ، بل وتحول بعضها الى النظام الاسلامى تماما .

وفى مقارنة الاحصاءات خلال الفترة الماضية لارقام اداء البنوك الاسلامية ، لتصل اصول المصارف الاسلامية الى 260مليار دولار وتزيد بنسبة 23.5% سنويا ، وكذا ارتفع عدد المصارف الاسلامية من 176 عام 1997م الى 267 مصرفا حاليا ، كما حققت انتشارا عالميا فى كافة ارجاء العالم بالنسب الاتيه 29% جنوب اسيا ، و 18% فى حنوب شرق اسيا ، و 20% فى افريقيا ، و15% فى منطقة الشرق الاوسط ، و17% فى دول مجلس التعاون الخليجى ، و5% فى اوروبا وامريكا ، و13% يتوزع على لدول الاخرى .

كما نجحت البنوك الاسلامية فى تحقيق نموا مطردا نتيجة قدراتها على تقديم خدمة متميزة لعملاء لا يرغبون اصلا فى التعامل على اساس الفوائد ، كما اكد المتعاملون مع البنوك الاسلامية بالخدمة الممتازة والمعاملة الحسنة وعدم الزحام ، كما ان رصيد الانتماء الاسلامى فى نفسية قطاع كبير من المتعاملين مع البنك الاسلامى يجعلهم يقبلون احيانا بالعائد المحدود او الاقلعن البنوك التقليدية مقابل الشعور بالطمأنينة للابتعاد عن شبهة الربا .
• |
وقد تضاعفت اصول البنوك الاسلامية على مدى اربعة عقود حتى الان لتصل فى بعضها لحوالى 60 مثل ، وتضاعفت ودائع العملاء وعدد الحسابات وفى بعضها تضاعفت الحسابات لاكثر من مائة ضعف
كما تنوعت الاوعية الادخارية وزادت بشكل كبير داخل البنوك الاسلامية مثل شهادات الادخار ذات العائد المتغير ، والاوعية ذات العائد التراكمى ، واتتمويل بالمشاركة ، والمضاربة الشرعية وبيع المرابحة والسلم والاستصناع والاتجار المباشر وتاسيس الشركات والمساهمة فى رأس مالها والاهتمام بالصناعات الصغيرة والحرفيين ، بل وتقديم الخدمات الاجتماعية ممثله فى صناديق الزكاة .

كما تفوقت البنوك الاسلامية بشكل كبير على البنوك التقليدية المناظرة لها فى الانتشار الجغرافى والحجم فى تعبئة المدخرات وضخ الاموال للاستثمارات المختلفة بما يؤكد ان المعوقات الرئيسية لعمل البنك الاسلامى هو ضعف الانتشار الجغرافى .
ومن الادلة القائمة على صلاحية ومناسبة الصيغة الاسلامية للتمويل كما سبق ان ذكرنا ان البنوك التجارية نفسها اتجهت لنفس الفكرة ليس وفقط بانشاء الفروع الاسلامية ولا بالتحول الكامل بل وايضا لنفى الاساس القائم عليه البنك التجارى والمتمثل على تحقيق ربحية تتمثل من الفروق بين فائدة الاقراض والودائع ( تجارة الديون ) وهذا الفارق يصل فى البلاد الاسلامية لحوالى 7% بينما لايتعدى المتوسط 2% فى المصارف العالمية ، بل وفى بعض تلك البنوك قلصت هذا الفارق الى الصفر تقريبا اعتمادا على تحقيق الربحية على التنافس على الخدمات المصرفية المستحدثة وليس على الفروق بين فوائد الايداع والاقراض ، بما يؤكد لاصحاب الرأى القائل بانه لا يمكن الاستغناء عن الفكرة التقليدية فى البنوك والقائمة على تجارة الديون انه يمكن قيام بنوك على اساس اسلامى يقوم على الصيغ الاسلامية المناسبة للتمويل .

كما صدرت تقارير دولية عديده تؤكد اهمية هذه التجربة ، فمثلا صدرت عام 1986م دراسة عن صندوق النقد الدولى تؤكد ان نظام البنك الاسلامى اكثر امنا واستقرارا من نظام البنوك التقليدية
كما ان للبنوك الاسلامية اسهامات فى الاقتصاد العالمى حيث ساهمت بنسبة 30% فى تمويل التجارة العالمية ، ويبلغ حجم الاستثمارات للبنوك الاسلامية 19% فى قطاع الصناعة فى العالم ، 13% من قطاع الخدمات ، و 13% من قطاع العقارات ، و 8% من قطاع الزراعة .
ورغم المخاطر العارمة والتى تواجهها البنوك الاسلامية يبشر العديد من الباحثين بان المستقبل للبنوك الاسلامية ( لانها تملك من التنويع فى وسائل التمويل والاستثمار الاسلامية ما لا يملكه غيرها )


9 –
البنوك الاسلامية ( تحديات وامال ) :
وهكذا تمارس البنوك الاسلامية انشطتها فى ظل معوقات هائلة ابرزها تلك الحملة الشرسة من الشبهات والشائعات ، وبالرغم من ذلك تظل الامال معقودة عليها باعتبارها ضمن عناصر النظام الاسلامى لحل مشكلات الاقتصاد ، ونشير فى ايجاز الى جملة مختصرة من هذه التحديات الراهنة وافاق التطوير المنتظرة من البنوك الاسلامية كما يلى : * تواجه البنوك الاسلامية اضافة الى الحملة الشرسة تحديات اخرى تتمثل فى التقدم الهائل فى مجال التكنولوجيا المصرفية من حيث جودة وسرعة وتنوع هذه الخدمة باستغلال ثورة المعلومات والاتصالات ، بما يوجب سرعة مواكبة هذه التغيرات الحادثة بكفاءة عالية . اتاحة الخمات المصرفية الراقية للعملاء بادخال تقنيات متطورة واساليب حديثة .

كما تواجه البنوك الاسلامية مخاطر الهيمنة الغربية المتمثلة فى العولمة الاقتصادية والتى بدأت تظهر بشكل حاد من خلال ظهور الكيانات الكبيرة واندماج البنوك مع بعضها بشكل لا يسمح للبنوك الصغيرة بالتنفس والبقاء فى الحياة المصرفية ، لذلك نجد ان الحديث انتشر فى الاونة الاخيرة الحديث عن فكرة اندماجات م على مستوى البنوك الاسلامية ، ولسنا هنا فى صدد الاشارة الى المعوقات القانونية والفنية والتى تكتنف هذا الطريق لكن تكفى الاشارة الى مقدار النتيجة المتوقعة من حدوث مثل هذه الاندماجاتة من حيث تحقيق القدرة على المنافسة وتوفير حزمة جيدة من الخدمات المصرفية
وايضا وجود مخاطر المنافسة الخارجية العارمة والمتمثلة فى البنوك الاجنبية خصوصا مع تطبيق اتفاقيات الجات فى المجال الصرفى بنهاية عام 2010م .

انتشار مفهوم البنك الشامل باداء العديد والعديد من الخدمات فى مجالات متعددة منها اسواق المال والتأمين والبنك الالكترونى والربط بين البنوك ...الخ ، والمصرف الشامل هو المصرف الذى يحصل على مصادر تمويله من كل القطاعات ويمول ايضا كل القطاعات فيقدم كافة الخدمات والتى يطلبها العميل فى الوقت والمكان بالشكل والمضمون الذى يحتاج اليه اى تحقيق سياسة التنويع.
كما تواجه البنوك الاسلامية مشكلة ضعف الانتشار الجغرافى بما يضعف قدرتها على المدخرات فنسبة اجمالى الاضافة الادخارية التراكمية لاكبر بنكين اسلاميين فى مصر من عام 1987 حتى 1996م حوالى 4% من اجمالى الاضافة الادخارية التراكمية فى مصر .
كما تواجه البنوك الاسلامية مشكلة التركيز على انشطة مصرفية محدده كالمرابحة والتى جرى تمويلها بنسبة 45% من اجمالى تمويل المؤسسات الاسلامية المصرفية ، وبذلك تراجع دور المضاربة والذى مول بنسبة 9% ، والمشاركة بنسبة بنسبة 15% ، ويفسر البعض ان السبب الرئيسى لتفضيل البنوك الاسلامية اسلوب المرابحة هو ضعف الوازع الدينى لدى بعض العملاء فيخفى مقدار ارباحه الحقيقية كما يسرف فى المماطلة فى اقتضاء حقوق البنك الاسلامى حيث لا توجد فوائد على التأخير .

ومن التحديات الرئيسية والتى تواجه البنوك الاسلامية حاجتها الى قوانين خاصة تنظم عملها والرقابة عليها وذلك لطبيعتها الخاصة وخاصة بالنسبة لحظر التعامل فى العقار او المنقول بالشراء او البيع وكذلك نسبة الاحتياطى النقدى والسيولة النقدية حيث ان بعض هذه العناصر للسيولة والاحتياطى النقدى لا تتعامل فيها البنوك الاسلامية ، كما يمثل البنك المركزى حائط الصد الاخير بالنسبة للبنوك التقليدية فهى تلجأ اليه فى حالة الحاجة الى السيولة والتى غير متاح تدبيرها من مصادر اخرى ، بعكس البنك الاسلامى والذى يرفض التعامل على اساس الفوائد ، وفى نفس الوقت لايقدم البنك المركزى قروضا حسنة ، وبالتالى عدم لجوء البنك الاسلامى للبنك المركزى مبنى على فكرة البنك بالابتعاد عن شبهة الربا وبالتالى طبيعة البنك الاسلامى نفسها هى التى تحتم ذلك ، وايضا ويذكر د. محمد عبد الحليم عمر ان البنوك الاسلامية تحتاج الى ضوابط خاصه بالرقابة والتفتيش حيث يطبق البنك المركزى نفس الاساليب على البنوك الاسلامية دون مراعاة لطبيعتها الخاصة ، يضاف الى ذلك ان نماذج البيانات الدورية والتى يقدمها البنك الاسلامى للبنك المركزى بها بنود لا تتعامل بها البنوك الاسلامية مثل القروض ةالسلفيات والسندات ويحظر على البنوك الاسلامية شطب هذه البنود وبالتالى تضطر البنوك الاسلامية الى تسجيل المشاركات والمرابحات فى بند القروض والسلفيات .

ومن مشكلاتها ايضا القيود الموضوعة على تعامل البنوك الاسلامية فى العقار وعلى امتلاك اسهم الشركات المساهمة وهذا ضد طبيعة عمل البنوك الاسلامية لان نظامها قائم على المشاركة والمرابحة ويتطلب امتلاك البنك للعقارات والمعدات وتتعامل فيها بالبيع والشراء بالاضافة الى تأسيس الشركات وامتلاك رأسمالها .
ومن التحديات ايضا ان اغلب عمليات البنوك الاسلامية تركز على قطاعى الخدمات والتجارة بنسبة 80% وبالتالى فالمشاركة فى التنمية محدودة ، ومن حلول هذه المشكلة تحقيق الاندماجات بين البنوك الاسلامية لتكوين كيانات مصرفية قادرة على التمويل الاستثمارى طويل الاجل .
كما ان اشتراط اعداد الحسابات الختامية بالبنوك الاسلامية على نفس منوال البنوك التجارية يؤدى الى اختلاف المصطلاحات وطبيعة الانشطة واسس المحاسبة المطبقة .

كما ان المصارف الاسلامية بحكم الواقع والخصائص تعتبر بنوك استثمار واعمال وان كانت غير ذلك بحكم التسجيل فبعضها يسجل كبنك استثمار واخرى تسجل كبنك تجارى وبالتالى يجب اعفائها جميعا من شرط السقوف الائتمانية .
ويمكن الاشارة فى ايجاز الى افاق الواجبات المعقوده على البنوك الاسلامية من خلال اداء عدة ادوار منها :
-
الدور الاعلامى : ويجب على البنك الاسلامى النشر الثقافى كلما امكن فى وسائط الاعلام المختلفة ، واصدار دراسات وكتبيات ، وعقد ندوات لتوضيح الصورة الحقيقية للبنك الاسلامى والفروق بين المصطلحات المختلفة ونفى الشبهات المثارة حوله ، وافهام الناس اسس البنك الاسلامى ومفاهيمه ومعوقاته ، وهذا الهدف الاعلامى فى رايى من اهم اهداف البنك الاسلامى ( داخليا وخارجيا ) فى المرحلة الحالية ، بالاضافة الى جانبا اخر متكاملا مع المعنى السابق وهو وجوب تأسيس ونشر الدراسات المنهجية حول الاقتصاد الاسلامى ومفاهيم البنك الاسلامى ويشير احد المديرين فى بنك اجنبى بالقاهرة الى ان فكرة البنوك الاسلامية جميلة حيث يشارك البنك العميل فى المكسب والخسارة الا ان اليات وصيغ عمل هذه البنوك ليست واضحة لكثير من الناس مما يدفع بعضهم للاقتراض من البنوك التجارية لتمويل مشروعاتهم المختلفة

- الدور التنموى والاجتماعى : ضرورة اعتماد البنوك الاسلامية على نظام المشاركات بشكل اكبر وتوجيه جزء من المدخرات لقطاعات هامه فى الاقتصاد الوطنى ، وكذا اداء الدور الاجتماعى من خلال مؤسسة الزكاة والضمان الاجتماعى
-
الدور الابتكارى : بابتكار ادوات واوعيه ادخار استثمارية جديده ذات صبغة اسلامية
-
وتلك المخاطر تستوجب الاستعداد لمواجهتها بامتلاك ادوات العصر وتطوير مبتكرات وادوات مصرفية اسلامية مناسبة لاشباع رغبات المستثمرين المتعددة والمنوعة ، وايضا التكافل بين المؤسسات الاسلامية والاندماجات كما اشرنا ، وايضا تنمية ونشر الفرص الاستثمارية بصيغ تمويلية متعددة وخصوصا على الاجل الطويل بما يساهم بكفاءة فى الاقتصاد العالمى

- الدور التعاونى : قبول التعاون مع البنوك التقليدية فى اطار جهاز مصرفى واحد فى الانشطة المصرفية التى لا تدخل تحت شبة الربا مثل خدمات المراسلين واستثمار الفائض التقدى او السيولة النقدية فى الاجل القصير ...الخ ، والوصول الى صيغ مناسبة لتذليل العقبات والتعاون مع الجهات المسئولة لتحقيق رسالة البنك الاسلامى على خير وجه .
وبعد فسوف تظل تجربة البنوك الاسلامية حافلة بالدراسة والتامل والتدقيق والاهمية خصوصا مع التطورات العالمية الراهنة بما يستوجب دعمها والذود عن ريادتها فى حقل الحياة لتودى دورها المرتقب فى خدمة الاوطان والانسان .


المصادر والمراجع :

( 1 )
القرآن الكريم .

( 2 ) الموسوعة الاسلامية الصادرة من وزارة الاوقاف المصرية وتضم صحيح الامام البخارى والامام مسلم وموسوعة فتاوى دار الافتاء المصرية 1312هـ - اسطوانة ليزر ممغنطة .
( 3 )
تمويل المشروعات فى ظل الاسلام ( دراسة مقارنه ) – على سعيد عبد الوهاب مكى – دار الفكر العربى – 1979م .
( 4 )
الاقتصاد فى الاسلام – عبد الحميد ابراهيم سرحان – سلسلة قضايا اسلامية – الهيئة المصرية العامة للكتاب .
( 5 )
البنوك الاسلامية – د . جمال الدين عطيه – سلسلة كتاب الامة – وزارة الاوقاف والشئون الاسلامية بدولة قطر .
( 6 )
ادارة الاسواق والمنشأت المالية – د . منير ابراهيم هندى – منشأة الاسكندرية – 1997م .
( 7 )
نفحات القران الكريم – الشيخ / عبد اللطيف السبكى – الهيئة المصرية العامة للكتاب .

( 8 ) المساكين – مصطفى صادق الرافعى .
( 9 )
مجلة الاقتصاد الاسلامى - العدد 61 – ذو الحجه 1406هـ ، 1986م .
( 10 )
تحقيقات صحفية واخبار منشورة بصحف :
العالم اليوم الاقتصادية اعداد بتواريخ : 6-1-2002م ،13-1-2003م ، 15-6-2003م ،24-11-2003م ، 14-12-2003م ، 21-12-2003م ، 6-1-2004م ، 11-1-2004م ، 16-1-2004م ، 11-2-2004م ، 25-2-2004م .
الاهرام القاهرية 29-12-2002م ، 12-12-2003م ، 18-1-2004م .
الوفد 28-12-2003م .